من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
دولة ابنه الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر
أبي العاص، وهو الحكم العادل، والعلم الذي لا تطاوله الجنادل، والكرم
الذي لا يصغي إلى قول العاذل، ولا يبغي طاقة الباذل، ونطق منذ كان صبيا بالحكم، وصدّق فكان في بيته يؤتى الحكم، ونفقت في أيامه سوق الفضائل، ووثقت بأنعامه الطآيل [كذا]، ولم يكن فيه عيب إلا قصر أيامه، وقصور مدته عن مرامه، وأهل الأندلس تعده من أصلح خلفائها، وأرجح أهل وفائه بها، ولم يكن من أهل الفضل إلا من يزدلف إليه بما لديه، ويقرب كرمه السابغ عليه من يديه، وكان الناظر لا يكاد يرى إلا عالما ومعلما، أو مقدما أو متقدما، وما بقي من رعاياه إلا من رعاه حرمه، ودعاه كرمه، فلم يدع منهم إلا راضيا عن زمانه، أو قاضيا له منه بأمانه، ثم ما زال مزيدا في الصلاح، ومتجددا به عموم الفلاح، حتى أتاه اليقين، وأراه موضعه في أماكن المتقين، وأجرى مرة خيله للسباق، فأحرز قصباته، وغبر في وجوه السباق، فقال محمد بن حسين الطبني:
أعارض عجلان في البحر خفقأم نفس الريح تجاري واستبق [ص]
أم الجياد أحضرت بلا عنقتطلب عند البعد ثارا بحنق
وطارت الحصباء عنهن فلقوثار مجموع الغبار وافترق
يرفع ثوب الصدع من ثوب الغسقلو خطرت على لياه لاحترق
من لهب الشدّ وحر المنطلقحتى إذا ما سكبت ماء العرق
وسرن سير الطير ينفضن اللثققد بلغت من زيد أسنى البلق
وانغمس الأدهم في لون نهقكالورق المنسوج أمثال الورق
وماح منهن اللواء والتصقوازدحمت فيه عليهن الحدق
من زمن لو سابق الريح سبقطرف كلحظ الطّرف أوهى فرتق
أو لحظة البرق مع الريح برقأو خطفة الجني للسمع استرق
أو سرعة الطيف إذا الطيف طرقمن نازح يعدي الكرى على الأرق
لعبشمي كان بالسبق أحقكأنما غرته نور الفلق
نواله في الناس فيض ودفقممسكه من كل نفس برمق
للمرتجي أمن وللمال فرقوبأسه أشبه شئ بالصعق
إذا تدافعن الرماح والدرقكأنما ماذيه إذا نطق
يبثّ في الناس أفانين العبقمستنصر بالله يرعى من خلق
لخيله فضل على الخيل نسقكفضل ما بين الملوك والسوق
وحكى صاحب المقتبس عن المستنصر هذا سعادة فيما يطلبه من الأمور، وما عقد له به لواء الظفر والتأييد، وأنشد كثيرا مما مدح به في وقائعه التي كان له
فيها الغلب، وبان لأعين النظارة له فيها حسن المنقلب، فمنها قول محمد بن المحاسن:
أقمت حدود الله حتى تحددتمعالمه فينا وأشرق نورها
وألبست دنياك شبابا وبهجةفراق جمالا سوؤها وسرورها
نهجت لغاويها الطريق فلم يحدولا ضلّ أعماها فكيف بصيرها [ص]
وجرّدت سيف الحقّ في كلّ بدعةتعفّي على آثارها وتبيرها
وثقنا مذ استنصرت بالله إنهنصيرك مما تتّقي ونصيرها
عن الله ترمي فهو عنك مدافعودائرة السوء على من يديرها
ومنها قول سعيد بن عبد الملك:
إمام جلا عن أرضنا الظلم عدلهفعاد إلى معناه من كان جاليا
إذا ما بدا يوما لعين فقد رأتبه كلّ شئ تملأ العين باديا
من العبشميين الذين أكفّهمسحائب تنسيك السحاب الغواديا
لقاؤهم يغنيك إن كنت مملقاوبشرهم يرويك إن كنت صاديا
ومنها قول محمد بن شخيص:
كأنك اليوم المعجل للعدىبوضع الحبالى أو تشيب المراضع
تواضعت كي تزداد عزّا وإنّمايقدم عند الله عز التواضع
وقمت بما أدّى عن الله أحمدوأدّيت حقا ضائعا غير ضائع
ومنها:
رأى ولد الفاروق بيعة جدهفبايع تبصيرا لمن لم يبايع
وقد زمّها مروان في يوم راهطبرأي لأهواء الجماعة جامع
وراية شورى لو أعيدت لما دعتلدعوته الآذان دعوى منازع
ولا شاع في مصر لصحب محمدأذى لم يكن من قبل فيها بشائع
ومنها قول يوسف بن هارون الرقاشي ملمحا في بعض أغزاله، وملمحا بها لحلو مقاله، وقد أبرز للقاء جعفر المفارق لمعد صاحب أفريقية جيشا أبرقت مناصله، وبرزت سهامه، كأنها لواحظ أغيد لا تخطي مقاتله، وهو:
ولقد عجبت لغفلة المستنصرإذ أبرز الجيش الهمام لجعفر
ولو أن من أهواه يبرز وجههقامت لواحظه مقام العسكر [ص]
وقد ذكر صاحب بلغة الظرفاء الحكم المستنصر، وأورد له شعرا ورد به منهل الشعرى، وهو قوله:
ألسنا بني مروان كيف تبدّلتبنا الحال أو دارت علينا الدوائر
إذا ولد المولود منّا تهللتله الأرض واهتزت إليه المنابر
بويع المستنصر في رمضان سنة خمسين وثلاث مائة، ولد مستهل رجب سنة اثنتين وثلاث مائة، وتوفي في صفر سنة ست وستين وثلاث مائة، وكانت مدته نحو ست عشرة سنة، وكان أبيض طوالا، شثن اليدين جسيما وسيما، أسود العينين، أصهب عظيم اللحية، يخضب بسواد.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع