من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
خلافة المعتز بالله الزبير ثالث عشر بني العباس
ولما جرى من أمر المعتز والمستعين ما ذكرنا خلع المستعين نفسه، وبايع المعتز ابن أخيه، وخطب له ببغداد يوم الجمعة رابع محرم في هذه السنة.
ثم نقل المستعين من الرّصافة إلى الحسني بعياله وأهله وأخذت منه البردة والقضيب والخاتم، فطلب المستعين أن يكون مقامه بمكة فمنع فاختار البصرة فوكّل به جماعة انحدروا به إلى واسط وقتلوه فيها، وحمل سعيد بن صالح الحاجب رأسه إلى المعتز فأمر بدفنه.
وفي هذه السنة عقد لعيسى بن الشيخ على الرملة، فبعث له نائبا عليها يسمى أبا المعتز، وكان عيسى [شيبانيا]، وهو عيسى بن الشيخ بن السّليك من ولد جسّاس بن مرّة بن ذهل بن شيبان، فلما كان من فتنة الأتراك ما كان بالعراق تغلب ابن الشيخ على دمشق وأعمالها وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة، واستبد بالأموال.
وفي سنة ثلاث وخمسين ومئتين (¬*)، شغب الجند بسبب طلب رزق أربعة أشهر فلم يجبهم وصيف، فوثبوا على وصيف فقتلوه، فجعل المعتز ما كان إلى وصيف إلى بغا الشرابي.
وفيها، ملك يعقوب الصّفّار هراة وبوشنج، وعظم أمره، وهابه أمير خراسان وغيره.
وفي سنة أربع وخمسين ومئتين (¬*)، قتل بغا الشرابي الصغير تحت الليل، وكان خرج من بين أصحابه وجنده ومعه خادمان له وقصد الركوب في زورق فأعلم المتوكلون بالجسر المعتز بخبره، فأمرهم بقتله فقتلوه وحملوا رأسه إليه.
وفيها، في جمادى الآخرة توفي علي الزكي أحد الأئمة الاثني عشر ابن محمد الجواد، المقدم ذكره سنة عشرين ومئتين، وكان علي المذكور سعي به إلى المتوكل أن عنده كتبا وسلاحا، فأرسل المتوكل جماعة من الترك فهجموا عليه ليلا على غفلة فوجدوه في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر وهو مستقبل القبلة يترنم [بآيات من القرآن] في الوعد والوعيد وليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل فحمل على هيئته إلى المتوكل والمتوكل يستعمل الشراب وبيده الكأس، فلما رآه المتوكل أعظمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني منه فأعفاه، وقال: أنشدني شعرا، فقال:
إني لقليل الرواية للشعر، فقال المتوكل: لا بد، فأنشده: <البسيط>
باتوا على قلل الأجبال تحرسهمغلب الرجال فما أغنتهم القلل
فاستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهموأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبرواأين الأسرة والسجّان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمةمن دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهمتلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوافأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
فبكى المتوكل، وأمر برفع الشراب وقال: يا أبا الحسن أعليك دين؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فدفعها [إليه] ورده إلى منزله مكرما، وكانت ولادة علي المذكور في رجب سنة أربع عشرة ومئتين، وتوفي لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومئتين بسامراء، ويقال له العسكري لسكناه بسامراء لأنها جعلت لسكنى العسكر [وهو عاشر الأئمة الاثني عشر، وهو والد الحسن العسكري، والحسن حادي عشر الأئمة الاثني عشر، وكانت ولادة الحسن العسكري سنة ثلاثين ومئتين، وتوفي سنة ستين ومئتين في ربيع الأول بسامراء، وإلى جانب أبيه دفن، والحسن العسكري والد محمد المنتظر صاحب السّرداب، وهو ثاني عشر الأئمة، <و> ولد المنتظر سنة خمس وخمسين ومئتين، والشيعة يقولون: دخل السرداب بدار أبيه بسرّ من رأى وأمه تنظر إليه فلم يعد يخرج، وكان عمره حينئذ تسع سنين وذلك سنة خمس وستين ومئتين، وفيه خلاف].
وفيها، توفي أحمد بن الرشيد عم الواثق.
وفيها، ولي أحمد بن طولون على مصر.
وفي سنة خمس وخمسين ومئتين (¬*)، استولى يعقوب بن الليث الصفّار على
كرمان، ثم استولى على فارس، ودخل شيراز، ونادى بالأمان، وكتب إلى الخليفة بطاعته، وأهدى إليه هدية جليلة منها عشرة بزاة بيض، ومئة رطل مسك، ومسجد فضة مخلّع.
وفي هذه السنة <في> يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب خلع المعتز بالله، وكان سبب ذلك أن الأتراك طلبوا أرزاقهم، فلم يكن عند المعتز مال فنزلوا معه إلى خمسين ألف دينار فأرسل المعتز وسأل أمه قبيحة في ذلك، فقالت: ما عندي شيء، فاتفق الأتراك والمغاربة والفراعنة على خلع المعتز، فصاروا إلى بابه، وقالوا: اخرج إلينا، فقال: شربت دواء، وقد أفرط في العمل، فإن كان لا بد من الاجتماع فليدخل بعضكم إليّ، فدخل إليه جماعة منهم، فجروا برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه وأقاموه في الشمس، وكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر، وبقي بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، وأدخلوه حجرة وأحضروا القاضي ابن أبي الشوارب وجماعة فأشهدوهم على خلعه.
ثم سلموا المعتز إلى من يعذبه، ومنعوه الطعام والشراب ثلاثة أيام، ثم أدخلوه سردابا وجصّصوه عليه فمات.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع