من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
وفي سنة ثلاث وثلاثين وست مئة
سار الناصر داود من الكرك إلى بغداد ملتجئا إلى الخليفة المستنصر لما حصل عنده من الخوف من عمه الكامل، وقدّم إلى الخليفة تحفا عظيمة وجواهر نفيسة، فأكرمه الخليفة المستنصر وخلع عليه وعلى أصحابه، وكان الناصر داود ينتظر أن الخليفة يستحضره في ملأ من الناس كما استحضر مظفر الدين صاحب إربل فلم يحصل له ذلك، وألح في طلب ذلك من الخليفة فلم يجبه، فعمل الناصر
المذكور قصيدة يمدح المستنصر بالله فيها، ويعرّض بصاحب إربل واستحضاره، ويطلب الأسوة به، وهي طويلة فمنها: <الطويل>
فأنت الإمام العدل والمعرق الذيبه شرفت أنسابه ومناصبه
جمعت شتيت المجد بعد افتراقهوفرّقت جمع المال فانهال كائبه
ألا يا أمير المؤمنين ومن غدتعلى كاهل الجوزاء تعلو مراتبه
أيحسن في شرع المعالي ودينهاوأنت الذي تعزى إليك مذاهبه
بأني أخوض الدوّ والدوّ مقفرسآريبه مغبرة وسباسبه
وقد رصد الأعداء لي كلّ مرصدفكلّهم نحوي تدبّ عقاربه
وتسمح لي بالمال والجاه بغيتيوما المال إلا بعض ما أنت واهبه
ويأتيك غيري من بلاد قريبةله الأمن فيها صاحب لا يجانبه
فيلقى دنوا منك لم ألق مثلهويحظى وما أحظى بما أنا طالبه
وينظر من لألاء قدسك نظرةفيرجع والنور الإماميّ صاحبه
ولو كان يعلوني بنفس ورتبةوصدق ولاء لست فيه أصاقبه
لكنت أسلّي النفس عما أرومهوكنت أذود العين عمّا تراقبه
ولكنّه مثلي ولو قلت إننيأزيد عليه لم يعب ذاك عائبه
وما أنا ممّن يملأ المال عينهولا بسوى التقريب تقضى مآربه
وكان الخليفة متوقفا في استحضار الناصر داود رعاية لخاطر الملك الكامل فجمع بين المصلحتين، واستحضره ليلا وعاد الناصر إلى الكرك.
وفيها، سار الملك الكامل من مصر إلى البلاد الشرقية واسترجع حران والرّها من يد كيقباذ ملك الروم، وأمسك أجناد كيقباذ ونوابه الذين كانوا [بهما] [فقيدهم] وأرسلهم إلى مصر فلم يستحسن ذلك منه، ثم عاد إلى أخيه الأشرف بدمشق فأقام عنده حتى خرجت السنة، وعاد الملك الكامل إلى الديار المصرية في أوائل سنة أربع <وثلاثين وست مئة>.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع