من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
في سنة إحدى وخمسين وست مئة
استقر الصلح بين الناصر يوسف صاحب الشام وبين بحرية مصر، على أن يكون للمصريين إلى نهر الأردن، وللملك الناصر ما وراء ذلك، وكان نجم الدين البادرائي رسول الخليفة هو الذي حضر من جهة الخليفة وأصلح بينهم على ذلك، ورجع كل إلى مقره.
وفيها، قطع أيبك التركماني خبز حسام الدين بن أبي علي الهذباني،
فطلب دستورا فأعطاه فسار إلى الشام، فاستخدمه الناصر بدمشق.
وفيها، أفرج الملك الناصر يوسف عن الناصر داود بن المعظم [الذي كان صاحب الكرك] وكان قد اعتقله بقلعة حمص، وأفرج عنه بشفاعة الخليفة المستعصم وأمره أن لا يسكن في بلاده، فرحل الناصر داود إلى جهة بغداد فلم يمكنوه من الوصول إليها، وطلب وديعته الجوهر فمنعوه إياها، وكتب الملك الناصر يوسف إلى ملوك الأطراف أن لا يؤووه ولا يميروه فبقي الناصر داود في جهات عانة والحديثة وضاقت به الحال وبمن معه، وانضم إليه جماعة غزيّة فبقي معهم يرحلون وينزلون جميعا، [ثم لما] قوي عليهم الحر ولم يبق بالبرية عشب قصدوا أزوار الفرات يقاسون بقّ الليل وهواجر النهار، وكان معه أولاده وكان لولده الظاهر شاذي فهد وكان يتصيد بالنهار عشرة غزلان، وكان يمضي للناصر داود وأصحابه [أيام] لا يطعمون غير الغزلان، واتفق أن الأشرف صاحب تل باشر وتدمر والرّحبة يومئذ أرسل إلى الناصر داود مركبين موسقين دقيقا وشعيرا فأرسل الناصر يوسف يهدده على ذلك، ثم إن الناصر داود قصد مكانا للشرابي واستجار به فرتب له الشرابي شيئا دون كفايته وأذن له في النزول بالأنبار وبينها وبين بغداد ثلاثة أيام والناصر داود مع ذلك يتضرع إلى الخليفة المستعصم فلا يجيب ضراعته، ويطلب وديعته فلا يرد لهفته، ولا يجيبه إلا بالمماطلة والمطاولة، وكان مدة مقامه متنقلا في الصحارى مع الغزيّة ثلاثة
أشهر، ثم بعد ذلك أرسل الخليفة وشفع فيه عند الناصر يوسف، فقبل شفاعته وأذن له في العود إلى دمشق ورتب له مئة ألف درهم على بحيرة فامية وغيرها، فلم يحصل له من ذلك إلا دون الثلاثين ألف درهم.
وفيها، وصلت الأخبار من مكة أنّ نارا ظهرت من عدن وبعض جبالها بحيث كانت تظهر بالليل ويرتفع منها في النهار دخان عظيم.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع