من «المستجاد من فعلات الأجواد» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حكايا الأجواد (٤)
الصفحة ٢ من ٢
قيل كان الأفشين مبغضاً لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي وحاسداً له على فضله، فحمل نفسه يوماً على قتله واستدعاه باستحثاث وإزعاج، وكان أبو دلف صديقاً لقاضي القضاة أحمد بن أبي داود. فبعث إليه أدركني فمن أمري كذا وكذا. فكرب مسرعاً واستحضر من حضره من الشهود. فلما ورد باب الأفشين قال له الغلمان: نستأذن لك قال: الأمر أعجل من ذلك، ونزل ودخل فألقى الأفشين جالساً في موضعه، وقد أقيم أبو دلف بين يديه في الصحن. فلما رأى الأفشين قاضي القضاة دخل بلا إذن بهت فقال له أحمد بن أبي داود أيها الأمير أنا رسول أمير المؤمنين إليك يأمرك أن لا تحدث في أمر القاسم حدثاً إلا بإذنه. ثم التفت إلى الشهود فقال اشهدوا أني قد بلغت رسالة أمير المؤمنين، والقاسم حي معافى ثم خرج فأتى باب المعتصم مسرعاً، واستأذن عليه فأذن له فلما دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين: قد كذبت عليك واحدة أرجو بها الجنة ولك بها الفخر قال وما هي؟ قال كان من الأمر كيت وكيت قال: فضحك المعتصم وقال: أحسنت أحسن الله إليك. ثم لم يلبث أن جاء الأفشين مستأذنا فأذن له، فلما استقر مجلسه قال يا أمير المؤمنين جاءتني رسالة منك مع قاضي القضاة في مغنى أبي دلف فما تأمر في شأنه؟ قال نعم أرسلت إليك فيه فأحذر أن تتعرض له إلا بخير، فأفلت بذلك من يده.
حدث القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة. حدثني أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني قال: كان محمد بن زيد العلوي الداعي بطبرستان إذا افتتح الخاج نظر ما في بيت المال من خراج السنة التي قبلها، وفرقه في قبائل قريش على دعوتهم وفي الأنصار وفي الفقهاء وأهل القرآن وسائر طبقات الناس، إلى أن يفرق جميع ما بقي فجلس سنة من السنين يفرق مثل ذلك على عادته، فلما بدأ ببني عبد مناف، وقد فرغ من بني هاشم، دعا سائر بني عبد مناف فقال إليه رجل فقال: من أي بني عبد مناف أنت؟ قال من بني أمية، قال من أيهم أنت؟ فسكت قال: لعلك من ولد معاوية؟ قال نعم قال أمن أيهم أنت؟ فسكت قال لعلك من ولد يزيد؟ قال نعم. قال: قال بئس الاختيار اخترت لنفسك، من قصدك " بلدا " ولاية آل أبي طالب وعندك ثأرهم في سيدهم، وقد كانت لك مندوحة عنهم بالشام والعراق عند من يتولى جدك ويحب برك. فإن كنت جئت عن جهل منك بهاذ فما يكون بعد جهلك جهل. وإن كنت جئت مستهزئاً بهم فقد خاطرت بنفسك فنظر إليه العلويون نظراً شديداً فصاح بهم محمد وقال: كفوا عافاكم الله كأنكم تظنون أن في قتل هذا دركاً أو ثأراً للحسنين بن علي، وأي جرم لهذا إن الله تعالى قد حرم أن تطالب نفس بغير ما اكتسبت، والله لا يعرض له أحد إلا أقدته به، واسمعوا حديثاً أحدثكم به يكون لكم قدوة فيما تستأنفون:
حدثني أبي عن أبيه قال: عرض على المنصور سنة حج جوهر فاخر فعرفه وقال: هذا كان لهشام بن عبد الملك، وهذا يعنيه قد بلغني خبره عند ابنه محمد، وما بقي منهم أحد غيره. ثم قال للربيع: إذا كان غداً وصليت بالناس في المسجد الحرام، وحصل الناس فيه فأغلق الأبواب ووكل بها ثقاتك من الشيعة وأقفلها، وافتح للناس باباً واحداً منها، وقف عليه فلا يخرج أحد إلا من قد عرفته. فلما كان من غد فعل الربيع ذلك، وتبين محمد بن هشام القصة، وعلم أنه هو المطلوب وإنه مأخوذ فتحير. وأقبل محمد بن زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب على أثر ذلك فرآه متحيراً وهو لا يعرفه فأنكر أمره وقال له. يا هذا أراك متحيراً متلدداً فمن أنت ولك أمان الله تعالى التام العام وأنت في ذمتي حتى أخلصك بعون الله تعالى قال: أنا محمد بن هشام بن عبد الملك فمن أنت؟ قال أنا محمد بم زيد بن علي بن الحسين قال: فعند الله أحتسب نفسي، إذ قال: لا بأس عليك يا ابن عم، فإنك لست قاتل زيد ولا في قتلك إدراك ثأره، وأنا الآن بخلاصك أولى مني بإسلامك، ولكن تعذرني فيما أتناولك به من مكروه وقبيح خطاب أخاطبك به يكون فيه خلاصك، بمشيئة الله تعالى. فقال: يا سيدي أنت وذاك، فطرح رداءه على رأسه ووجهه ولببه به وأقبل يسحبه، فلما وقعت عين الربيع عليه لطمه لطمات، وجاء به إلى الربيع، وقال يا أبا الفضل إن هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة أكراني جماله ذاهباً وعائداً وقد هرب مني في هذا الوقت، وأكرى لبعض القواد الخراسانية، ولي عليه بذلك شهود، فتضم إلي حرسيين يصيران به معي إلى القاضي ويمنعان الخراساني من اعتراضه إن اعترضنا، فضم إليه الربيع حرسيين وقال امضيا به معه بعد من المسجد قال له: يا خبيث أتؤدي إلي حقي؟ قال نعم يا ابن رسول الله، فقال للحرسيين: انصرفا في حفظ الله تعالى فانصرفا. فلما بعدا أطلقه، فقبل محمد بن هشام رأسه وقال: بأبي أنت والله وأمي، فالله أعلم حيث يجعل رسالاته ثم أخرج جوهراً له قدر عظيم فدفعه إليه وقال: تشرفني يا سيدي بقبول هذا مني، قال: اذهب بمتاعك يا ابن عم، فإنا أهل البيت لا نقبل على المعروف مكافأة، وقد تركت لك دم زيد وهو أعظم قدراً من متاعك، فانصرف راشداً ووار شخصك عن هذا الرجل إلى أن يخرج، فإنه مجد في طلبك، فمضى وتوارى.
قال ثم أمر محمد بن زيد الداعي " بطبرستان " للأموي بمثل ما أمر به لسائر بني عبد مناف، وضم إليه جماعة من مواليه، وأمرهم أن يخرجوه إلى الري ويأتوه بكتابه بسلامته، فقام الأموي فقبل رأسه ومضى معهم حتى بلغ مأمنه وجاؤوه بكتاب بسلامته.
قال أبو القاسم بن المعمر الزهري: كنت أسير مع يحيى بن خالد وهو بين ابنيه الفضل وجعفر، فإذا أبو الينبغي واقف على الطريق فناداني يا زهري فاستشرفت له فقال:
صحبت البرامك عشراً ولاءوبيتي كرا وخبزي شرا
قال: فسمعه يحيى فالتفت إلى الفضل وجعفر وقال: أف لهذا الفعل، أبو الينبغي ممن يحاسب؟ فلما كان الغد جاءني أبو الينبغي فقلت: ويحك ما هذا الذي عرضت نفسك له. فقال: أسكت ما هو إلا أن انصرفت إلى منزلي حتى جاءني من قبل الفضل بدرة ومن قبل جعفر بدرة، ووهب لي كل واحد منهما داراً، وأجرى علي من مطبخه ما يكفيني.
حكاية
قيل عرض محمد بن الجهم داراً له للبيع بخمسين ألف درهم، فلما حضر الشهود ليشهدوا قال: بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص، وكانت الدار في جوار سعيد بن العاص فقالوا: وإن الجوار ليباع، فقال: وكيف لا يباع جوار من إن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتداك، وإن أسأت إليه أحسن إليك. قال: فبلغ ذلك سعيداً فوجه إليه بمائة ألف درهم، وقال له: امسك عليك دارك.
حكاية
حدث إبراهيم بن المهدي قال: خلا جعفر بن يحيى يوماً في منزله وحضر ندماؤه وكنت فيهم: فتضمخ بالخلوق ولبس الحرير، وفعل بنا مثل ذلك، وتقدم إلى الحاجب يحفظ الباب إلا من عبد الملك بن نجران كاتبه. فوقع في أذن الحاجب عبد الملك دون ابن نجران ومضى صدر من النهار، وبلغ عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي عم الرشيد مقام جعفر في منزله فركب إليه، فلما وصل دار جعفر وجه الحاجب إليه أن قد حضر عبد الملك فقال: يؤذن له، وهو يضن أنه كاتبه، فدخل عبد الملك بن صالح في سواده " ورصافيته " يرفل، على جلالته وورعه، ونبيه قدره وأدبه فلما رآه جعفر اسود وجهه، وعظم ذلك وارتاع له. وكان عبد الملك لا يشرب النبيذ، وكان ذلك سبب موجدة الرشيد عليه، لأنه كان يلتمس منادمته فيأبى عليه. فوقف عبد الملك على ما رأى من جعفر، فدعا غلامه فناوله سواده وعمامته وسيف، وأقبل حتى وقف على باب المجلس " الذي نحن فيه " فسلم وقال: " أشركونا في أمركم " افعلوا بنا ما فعلتم بأنفسكم، فدنا منه خادم فألبسه الحرير وضمخه بالخلوق، ثم جلس ودعا بطعام فأكل، ودعا بنبيذ فأتي ركل فشربه وقال لجعفر: والله ما شربته قط قبل اليوم فليخفف عني فدعا برطلية فجعلت بين يديه، وجعل كلما فعل شيئاً من ذلك سري عن جعفر، فلما أراد الانصراف قال له: جعفر: جعلني الله فداك، قد تطولت وساعدت، فسل حاجتك فما تحيط مقدرتي بمكافأة ما كان منك اليوم، إن في قلب أمير المؤمنين علي هناة فأسأله الرضا عني قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين " وزال ما عنده منك " قال: وعلي أربعة آلاف ألف درهم تقضى عني، قال: إنها لك من لك من عندي حاضرة، ولكن أجعلها من مال أمير المؤمنين فإنه أنبل لك وأحب إليك. قال: وإبراهيم ولدي أحب أن أشد ظهره بصهر " من ولد " الخلافة. قال: قد زوجه أمير المؤمنين ابنته العالية قال: وأحب أن يخفق على رأسه لواء، قال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر. وانصرف عبد الملك ونحن متعجبون من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان وقلنا لعله أن يجاب إلى ما سأل من الحوائج، فكيف التزويج، هل يطلق لجعفر أو لغيره ذلك فلما كان من الغد غدونا فوقفنا على باب الرشيد، ودخل جعفر فلم يلبث أن دعي أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك ابن صالح ثم خرج إبراهيم والألوية بين يديه وقد خلع عليه، وزوج العالية ابنة الرشيد، وكتب سجله على مصر، وحملت البدر إلى منزل عبد الملك. وخرج جعفر فأشار إلينا بأتباعه إلى منزله فلما عدنا إلى دار جعفر قال: تعلقت قلوبكم بأول أمر عبد الملك فأحببتم على آخره: إني لما دخلت على أمير المؤمنين؛ وقمت بين يديه، ابتدأت أحدثه القصة من أولها إلى آخرها فجعل يقول: حسن والله حسن والله، حتى أتممت خبره وما أحببته به فجعل يقول في كل ذلك: أحسنت أحسنت فكان ما رأيتم. قال إبراهيم بن المهدي؛ فوالله ما أدري أيهم أكرم وأعجب فعلاً، ما ابتدأه عبد الملك بن صالح من المساعدة وشرب الخمر وغير ذلك، وكان رجل جد " وتعفف ووقار وناموس " أم إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم. أم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به جعفر عليه.؟
قيل كان بين غسان بن عبادة وبين علي بن عيسى القمي وقعة أدت إلى عداوة، وكان علي بن عيسى ضامناً أعمال الخراج والضياع ببلده، فبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينار، فألح المأمون في قتضائه إياها، ومطالبته بها إلى أن قال لعلي بن صالح حاجبه: طالب علي بن عيسى بما بقى عليه، وأنظره ثلاثة أيام، فإن أحضر المال قبل انقضائها وإلا فاضربه بالسياط، حتى يؤديها أو يتلف. فانصرف علي بن عيسى من دار المأمون آيساً من نفسه، إذ كان لا يعرف وجهاً يخلصه من المال، فقال له كاتبه: لو عرجت على غسان بن عباد وخبرته خبرك لرجوت لك أن يعينك على أمرك. فقال له: على ما بيني وبينه؟ قال: نعم، فإن الرجل أريحي كريم. فحملته الحالة التي هو عليها على قبول ذلك من كاتبه فدخلا على غسان فقام إليه وتلقاه بالقبول ووفاه حقه. فقال له علي بن عيسى: الحال التي بيني وبينك لا يوجب لي ما أبديت من كرمك فقال: ذلك بحسب أمر تقع المنافسة عليه والمضايقة فيه، والذي بيني وبينك دعه بحاله، ولدخولك داري حرمة توجب لك على بلوغ ما رجوته عندي، فاذكر إن كانت لك حاجة. فقص عليه كاتبه القصة. فقال: أرجو أن يكفيه الله تعالى، ولم يزد على هذا شيئاً فنهض علي بن عيسى وخرج " من عنده " آيساً " من خيره " نادناً على قصده غسان على ما بينهما وقال لكاتبه لما خرج: ما أفدتني بقصد غسان، وإلزامي الدخول عليه إلا تعجيل الشماتة والهوان وعساه أن يجد بذلك " السبيل " إلى التشفي بي. فلم يصر علي بن عيسى إلى داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه البغال عليها المال، فبلغه سلامه، وقال: قد حضر المال، فتقدم بتسليمه، وبكر على دار أمير المؤمنين من غد فبكر علي بن عيسى فوجد غسان " قد سبقه إليها " ودخل على المأمون ومثل بين الصفين. وقال: يا أمير المؤمنين إن لعلي بن عيسى حرمة وخدمة، وسالف أصل ولأمير المؤمنين إليه إحسان هو ولي ربه وحفظه. وقد لحقه من الخسران والجائحة في ضمانه مما قد تعارفه الناس. وقد خرج أمير المؤمنين بالاشتداد عليه في المطالبة وتوعده من ضرب السوط بمال يتلف نفسه، ما أطار عقله وأذهب لبه وأدهشه عن الاضطراب في الخلاص، والاحتيال فيما عليه، مع عدم القدرة على ذلك، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجريني على حسنى عادات كرمه عندي، فيشفعني فيه ببعض ما عليه، فهي صنيعة يجددها عندي تحرس ما تقدم من إحسانه، وتضاعف وجوب الشكر عليها، والاعتداد بسبوغ نعمه بها. ولم يزل بلطف به بهذا ونحوه إلى أن حط النصف مما عليه، واقتصر منه على عشرين ألف دينار. فقال غسان: على أن يجدد أمير المؤمنين عليه الضمان، ويضرفه يخلع تقوي نفسه، وترهف عزمه ويعرف بها مكان الرضى عنه. فأجابه المأمون إلى ذلك. قال: فأذن لي أمير المؤمنين أن أحمل الدواة إلى حضرته ليوقع بما رآه من هذا الإنعام، فيبقى شرف حملها علي وعلى عقبي من بعدي. فقال: افعل، فحمل الدواة وأحضرها فوقع المأمون له بما التمس، وخرج علي بن عيسى بالخلع عليه، والتوقيع بيده فلما حصل في داره حمل من المال عشرين ألف دينار وأعادها على غسان وشركه على جميل فعله معه، فقال لكاتبه: كأنني شفعت إلى أمير المؤمنين ليعيد إلي المال؟ ولم استحطه ذلك إلا ليتوفر عليه وينتفع به، وليس يعود إلي منه شيء أبداً. وأعاد المال إليه وكان ذلك سبب صلاح ما بينهما. وعرف علي بن عيسى قدر ما فعله معه غسان فلم يزل يخدمه إلى آخر العمر.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع