تجاوز إلى المحتوى

من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)

محمد بن عوف العكي أندلسي محدث. مات في حدود العشرين وثلاث مائة. محمد بن أبي عامر أبو عامر، أمير الأندلس في دولة هشام المؤيد، كان أصله

، فيما يقال، من الجزيرة الخضراء، وله بها قدر وأبوة، وورد شاباً إلى قرطبة، فطلب العلم والأدب، وسمع الحديث، وتميز في ذلك، وكانت له همة يحدث بها نفسه بإدراك معالى الأمور ويزيد في ذلك، حتى كان يحدث من يختص به بما يقع له من ذلك، وله في ذلك أخبار كثيرة عجيبة، قد أوردنا ما اتفق منها في كتاب الأماني الصادقة، ثم علت حاله، وتعلق بوكالة صبح أم هشام المؤيد، بن الحكم المستنصر، والنظر في أموالها وضياعها، وزاد أمره في الترقي معها إلى أن مات الحكم المستنصر، وكان هشام صغيراً، وخيف الاضطراب، فضمن لصبح سكون الحال، وزوال الخوف، واستقرار الملك لابنها؛ وكان قوي النفس ساعدته المقادير، وأمدته المرأة بالأموال، واستمال العساكر، وجرت أحوال علت قدمه فيها حتى صار صاحب التدبير، والمتغلب على الأمور؛ وحجب هشاماً المؤيد، وتلقب بالمنصور، وأقام الهيبة فدانت له أقطار الأندلس كلها، وأمنت به، ولم يضطرب عليه شيء منها أيام حياته لعظيم هيبته، وسياسته؛ وكان محباً للعلم، مؤثراً للأدب، مفرطاً في إكرام من ينتسب إليهما، ويفد عليه متوسلاً بهما، بحسب حظه منهما، وطلبه لهما، ومشاركته فيهما؛ وكان له مجلس معروف في الأسبوع، يجتمع فيه أهل العلوم للكلام فيها بحضرته، ما كان مقيماً بقرطبة، لأنه كان ذا همة ونية في الجهاد، مواصلاً لغزو

الروم، حتى إنه كان ربما يخرج إلى المصلى يوم العيد، فتقع له نية في ذلك، فلا يرجع إلى قصره ويخرج بعد انصرافه من الصلاة كما هو من فوره إلى الجهاد، فتتبعه العساكر، وتلحق به أولاً فأولا، فلا يصل إلى أوائل الدروب إلا وقد لحقه كل من أراد من العساكر؛ غزا نيفاً وخمسين غزوة ذكرت في المآثر العامرية بأوقاتها؛ وآثاره فيها، وفتح فتوحاً كثيرة، ووصل إلى معاقل جمة امتنعت على من كان قبله، وملأ الأندلس بالغنائم والسبى، وكان في أكثر زمانه لا يخل بغزو تين في السنة، وكان كلما انصرف من قتال العدو إلى سرادقه يامر بأن ينفض غبار ثيابه التي حضر فيها معركة القتال، وأن يجمع ويحتفظ به، فلما حضرته المنية أمر بما اجتمع من ذلك أن ينثر على كفنه إذا وضع في قبره؛ وتوفي في طريق الغزو في أقصى الثغور بمدينة سالم سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة؛ وكانت مدته في الإمارة بضعاً وعشرين سنة.

وتقلد الإمارة بعده ابنه المظفر أبو مروان عبد الملك بن محمد فجرى في الغزو والسياسة والنيابة عن هشام المؤيد وحجابته مجري أبيه، وكانت أيامه أعياداً دامت سبع سنين إلى أن مات، وثارت الفتن بعده.

قال لي أبو محمد علي بن أحمد: كان المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر، معافري النسب من حمير، وأمه تميمية، وهي بريهة بنت يحيى بن زكريا التميمي المعروف بابن برطال، ولذلك قال فيه أحمد ابن دراج من قصيدة له فيه:

تلاقت عليه من تميم ويعربشموس تلالى في العلى وبدور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
من الحميريين الذين أكفهمسحائب تهمى بالندى وبحور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»

النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من من اسمه محمد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.