تجاوز إلى المحتوى

من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)

محمد بن عبد السلام بن ثعلبة بن الحسن بن كليب، أو كلب، الخشني بو عبد

الله، كانت له رحلة إلى العراق وإلى غيرها من البلاد، أقام فيها مدة طويلة، ثم رجع إلى الأندلس وحدث زماناً طويلا، وانتشر علمه؛ فمن شيوخه الذين سمع منهم بالمشرق: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني صاحب سفيان بن عيينة، ومحمد بن المثني، ومحمد بن بشار بندار، وسلمة بن شبيب، وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني صاحب الشافعي، ومحمد بن المغيره، ومحمد بن وهب المسعري صاحبا أبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم؛ وقال لي بعض المشايخ: إنه سمع الإمام أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، ولم أجد ذلك فيما حضرني من ذكر رواياته، إلا أن الفقيه أبا محمد عبد الله بن عثمان بن مروان العمري الأديب حدثني وأملاه علي بالمغرب عن أبي عبد الله محمد بن يعيش، قال: أنشدنا ابن الطحان عن أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الخشني، قال: وكانت له رحلة إلى المشرق، ولقى فيها أحمد بن حنبل ونظراءه، وأقام خمساً وعشرين سنة متجولاً في طلب الحديث، فلما رجع إلى الأندلس تذكر محاله في الغربة فقال:

كأن لم يكن بين ولم تك فرقةإذا كان من بعد الفراق تلاق
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة
كأن لم تؤرق بالعراقين مقلتيولم تمر كف الشوق ماء مآق
ولم أزر الأعراب في خبت أرضهمبذات اللوى من رامة وبراق
ولم أصطبح بالبيد من قهوة النوىبكأس سقانيها الفراق دهاق
بلى وكأن الموت قد زار مضجعيفحول مني النفس بين تراق
أخي إنما الدنيا محلة فرقةودار غرور آذنت بفراق
تزود أخي من قبل أن تستكن الثرىويلتف ساق للنشور بساق

وكان أبو عبد الله الخشني عالماً حافظاً، حدث عن بالأندلس جماعة جمة نبلاء، منهم أسلم بن عبد العزيز بن هاشم القاضي، وأحمد بن خالد، ومحمد بن قاسم بن محمد، وأبو محمد قاسم بن أصبغ البياني، وكان من المكثرين عنه، وابنه محمد بن محمد ابن عبد السلام؛ ومات بالأندلس سنة ست وثمانين ومائتين. وذكره أبو محمد عبد الغني بن سعيد فقال: محمد بن عبد السلام الخشنى القرطبي صاحب تاريخ تاريخ الأندلس، روى عن ابن وضاح؛ فوهم من وجهين: أحدهما أنه جعله صاحب التاريخ، والخشنى الذي ألف في التاريخ هو محمد بن حارث الخشنى، ولعله لما رأى التاريخ منسوباً إلى الخشنى ظنه محمد بن عبد السلام، وإنما هو محمد ابن حارث؛ والوجه الآخر أنه قال: روى عن ابن وضاح، وهو وابن وضاح في طبقة واحدة، وفي سنة واحدة ماتا، والذي روى عن ابن وضاح هو محمد بن حارث، وإنما ركب ذلك كله على ظنه أن الخشنى هو محمد بن عبد السلام، والله أعلم. فإن كان عول فيما ظنه من ذلك على كتاب ابن يونس في إيراد ما أورده عن الخشني من وفيات أهل تلك الناحية وذكرهم، فظن أنه محمد بن عبد السلام، لأنه الأشهر والأقدم زمنا، فلو أنعم النظر وتتبع كتاب ابن يونس لوجد فيه أن محمد ابن عبد السلام مات في سنة ست وثمانين ومائتين،

وأن ابن يونس قد حكى عن الخشنى وفيات جماعة بعد الثلاث مائة وبعد العشر وثلاث مائة في باب السين، وفي أبواب بعده، فكان يتبين له أن هذا الخشنى الذي يحكى عنه هذه التواريخ ليس محمد بن عبد السلام، إذ لا يجوز أن يحكى عنه وفاة من مات بعد موته بدهر؛ وإن كانت الشبهة وقعت من أجل أن ابن يونس يقول فيما يورده من ذلك: ذكره الخشني ولا يسميه ولا ينسبه، فقد سماه ونسبه في موضعين من كتابه؛ في باب السين، وفي باب النون، فقال: ذكره محمد بن حارث الخشني في كتابه. فصح أن الكتاب له لا لمحمد بن عبد السلام. وقد ذكر ابن يونس محمد بن عبد السلام، فلم يذكر أن له تاريخاً، ولا وجدنا أحداً من أهل تلك البلاد ذكر ذلك، وقد بحثنا عنه. والله الموفق للصواب.

النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من من اسمه محمد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.