تجاوز إلى المحتوى

من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)

محمد بن عبد الواحد، بن محمد، بن عبد الله، بن محمد، بن مصعب، بن ثابت

، ابن عبد الله، بن الزبير الزبيري، أبو البركات، مولده بمكة سنة سبع وخمسين وثلاث مائة، ودخل بغداد والشام ومصر وسمع

بها، ثم دخل الأندلس وحدث بها عن جماعة، منهم القاضي أبو الحسن علي بن محمد الجراحى، ومحمد بن محمد بن جبريل العجيفي، وأبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، وأبو الحسن علي بن عيسى الرماني النحوي صاحب التفسير، وأبو محمد عبد الله بن عطية الدمشقي، وأبو بكر الذارع أحمد بن محمد بن إسماعيل، وصاحب أبلي بشر الدولابي، وأبو إسحاق إبراهيم بن حيان، ونحوهم. حدثنا عنه أبو محمد علي بن أحمد الفقيه، وأبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري. حدثني أبو محمد

علي بن أحمد بن سعيد ابن حزم بن غالب الفارسي الفقيه، وأملاه علي بالأندلس، قال: نا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيري، قال: حدثني أبو علي حسن بن الأشكرى المصري، قال: كنت من جلاس تميم بن أبي تميم، وممن يخف عليه جدا، قال: فأرسل إلى بغداذ، فابتيعت له جارية رائعة فائقة الغناء، فلما وصلت إليه دعا جلساءه، قال: وكنت فيهم، ثم مدت الستارة، وأمرها بالغناء، فغنت:

وبدا له من بعد ما اندمل الهوىبرق تألق موهناً لمعانه
للشاعر الحلاج، من قصيدة «وبدا له من بعد ما اندمل الهوى»
يبدو كحاشية الرداء ودونهصعب الذرى متمنع أركانه
للشاعر الحلاج، من قصيدة «وبدا له من بعد ما اندمل الهوى»
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعهوالماء ما سمحت به أجفانه
للشاعر الهبل، من قصيدة «أترى صحا وأفاق من سكر الجوى»

قال: فأحسنت ما شاءت، وطرب تميم وكل من حضر، ثم غنت:

ستسليك عمافات دولة مفضلأوائله محمودة وأواخره
ثنى الله عطفيه وألف شخصهعلى البر مذ شدت عليه مآزره
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة

قال: فطرب تميم ومن حضر طرباً شديداً، قال: ثم غنت:

استودع الله في بغداذ لي قمراًبالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

قال: فاشتد طرب تميم، وأفرط جداً، ثم قال لها: تمنى ما شئت، فلك مناك، فقالت: أتمنى عافية الأمير وسعادته، فقال: والله لابد لك أن تتمنى، فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى؟ فقال: نعم، فقالت: أتمنى أن أغني هذه النوبة ببغداذ، قال: فاستنقع لون تميم، وتغير وجهه، وتكدر المجلس، وقام وقمنا، قال ابن الأشكرى: فلحقني بعض خدمه وقال لي: ارجع، فالأمير يدعوك، فرجعت فوجدته جالساً ينتظرني، فسلمت وقمت بين يديه، فقال: ويحك! أرأيت ما امتحنا به؟، فقلت نعم أيها الأمير، فقال لابد من الوفاء لها، وما أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداذ، فإذا غنت هنالك فاصرفها، فقلت: سمعاً وطاعة، قال: ثم قمت وتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية له سوداء تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة ومحمل، فأدخلت فيه، وجعلها معي، وصرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق وسرنا، فلما وردنا القادسية أتتنى السوداء عنها، فقالت: تقول لك سيدتي: أين نحن؟ فقلت لها: نحن نزول بالقادسية، فانصرفت إليها وأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتها قد ارتفع بالغناء:

لما وردنا القادسية حيث مجتمع الرفاق
وشممت من أرض الحجاز شميم أنفاس العراق
للشاعر موسى بن عبد الملك الأصبهاني، اقرأ القصيدة
أيقنت لي ولمن أحب بجمع شمل واتفاق
للشاعر موسى بن عبد الملك الأصبهاني، اقرأ القصيدة
وضحكت من فرح اللقاء كما بكيت من الفراق
للشاعر موسى بن عبد الملك الأصبهاني، اقرأ القصيدة

فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله! أعيدي بالله! قال: فما سمع لها كلمة، قال: ثم نزلنا الياسرية، وبينها وبين بغداذ نحو خمسة أميال في بساتين متصلة، ينزل الناس بها. يبيتون ليلتهم، ثم يبكرون لدخول بغداذ، فلما كان قرب الصباح، إذ أنا بالسوداء قد أتتنى مذعورة، فقلت: مالك؟ فقالت: إن سيدتي ليست بحاضرة، فقلت ويلك! وأين هي؟ قالت: والله ما أدري، قال: فلم أحس لها أثراً بعد، ودخلت بغداذ وقضيت حوائجى بها، وانصرفت إلى تميم، فأخبرته خبرها، فعظم ذلك عليه، واغتم له، ثم ما زال بعد ذلك ذكراً لها، واجماً عليها.

النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من من اسمه محمد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.