من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)
محمد بن الحسن الزبيدي النحوي أبو بكر، من الأئمة في اللغة والعربية ألف
في النحو كتابا سماه الواضح، واختصر كتاب العين اختصاراً حسناً، وجمع في الأبنية، وفي لحن العامة، وفي أخبار النحويين، كتباً مشهورة، وفي غير نوع من الأدب؛ وكان شاعراً كثير الشعر. أخبرنا أبو عمر يوسف بن عبد البر قال: كتب أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي النحوي إلى أبي مسلم بن فهد:
أبا مسلم إن الفتى بجنانهومقوله لا بالمراكب واللبس
وليس ثياب المرء تغنى قلامةإذا كان مقصوراً على قصر النفس
وليس يفيد العلم والحلم والحجاأبا مسلم طول القعود على الكرسي
وقال لي أبو محمد علي بن أحمد: كتب الوزير أبو الحسن جعفر بن عثمان المصحفي إلى صاحب الشرطة أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي اللغوي، كتاباً فيه: فاضت نفسه بالضاد، فجاوبه الزبيدي بمنظوم بين له فيه الخطأ دون تصريح وهو:
قل للوزير السني محتدهلي ذمة منك أنت حافظها
عناية بالعلوم مفخرةقد بهظ الأولين باهظها
يقر لي عمرها ومعمرهافيها ونظامها وجاحظها
قد كان حقاً قبول حرمتهالكن صرف الزمان لافظها
وفي خطوب الزمان لي عظةلو كان يثنى النفوس واعظها
إن لم تحافظ عصابة نسبتإليك قدماً فمن يحافظها
لا تدعن حاجتي مطرحةفإن نفسي قد فاظ فائظها
فأجابه المصحفي:
خفض فواقاً فأنت أوحدهاعلماً ونقابها وحافظها
كيف تضيع العلوم في بلدأبناؤه كلهم يحافظها
ألفاظهم كلها معطلةما لم يعول عليك لافظها
من ذا يساويك إن نطقت وقدأقر بالعجز عنك جاحظها
علم ثنى العالمين عنك كماثنى عن الشمس من يلاحظها
وقد أتتني فديت شاغلة للنفس أن قلت: فاظ فائظها
فأوضحنها، تفز بنادرةقد بهظ الأولين باهظها
فأجابه الزبيدي، وضمن شعره الشاهد على ذلك:
أتاني كتاب من كريم مكرمفنفس عن نفس تكاد تفيظ
فسر جميع الأولياء ورودهوسىء رجال آخرون وغيظوا
لقد حفظ العهد الذي قد أضاعهلدي سواه والكريم حفيظ
وباحثت عن فاظت وقبلى قالهارجال لديهم في العلوم حظوظ
روي ذاك عن كيسان سهل وأنشدوامقال أبي الغياظ وهو مغيظ
وسميت غياظاً ولست بغائظعدواً ولكن للصديق تغيظ
فلا حفظ الرحمن روحك حيةولا وهي في الأرواح حين تفيظ
قال لي أبو محمد: وقد يقال فاضت نفسه يالضاد. ذكر ذلك يعقوب بن السكيت في كتاب الألفاظ. وله وقد استأذن الحكم المستنصر في الرجوع إلى أهله بإشبيلية فلم يأذن، فكتب إلى جارية له هنالك تدعى سلمى:
ويحك يا سلم لا تراعىلابد للبين من زماع
لا تحسبيني صبرت إلاكصبر ميت على النزاع
ما خلق الله من عذابأشد من وقفة الوداع
ما بينها والحمام فرقلولا المناحات والنواعي
إن يفترق شملنا وشيكامن بعد ما كان ذا اجتماع
فكل شمل إلى افتراقوكل شعب إلى انصداع
وكل قرب إلى بعادوكل وصل إلى انقطاع
توفي أبو بكر الزبيدي قريباً من الثمانين وثلاث مائة. روى عنه غير واحد،
منهم: ابنه أبو الوليد محمد، وأبو القاسم إبراهيم بن محمد بن زكرياء الزهري، المعروف بابن الإفليلي النحوي.
النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع