من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)
باب الألف من اسمه أحمد
الصفحة ١ من ٢
أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم مولى هشام بن عبد الرحمن ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، أبو عمر من أهل العلم والأدب والشعر، وله الكتاب الكبير المسمى كتاب العقد في الأخبار، وهو مقسم على معاني، وقد سمى كل قسم منها باسم من أسماء نظم العقد؛ كالواسطة ونحوها؛ وشعره كثير مجموع، رأيت منه نيفاً وعشرين جزءاً، من جملة ما جمع للحكم بن عبد الرحمن الناصر، وفي بعضها بخطه؛ توفي أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، لاثنتى عشر ليلة بقيت من جمادى الأولى، ومولده سنة ست وأربعين ومائتين، لعشر خلون من شهر رمضان، فاستوفى إحدى وثمانين سنة وثمانية أشهر، وثمانية أيام؛ ومدح الأمير محمد، والمنذر، وعبد الله، وعبد الرحمن الناصر، هذا آخر ما رأيت بخط الحكم المستنصر، وخطه حجة عند أهل العلم عندنا؛ لأنه كان عالماً ثبتاً؛ وكان لأبي عمر بالعلم جلالة، وبالأدب رياسة، وشهرة، مع ديانته، وصيانته؛ واتفقت له أيام وولايات للعلم فيها نفاق؛ فساد بعد خمول، وأثرى بعد فقر، وأشير بالتفضيل إليه، إلا أنه غلب الشعر عليه.
ومما أنشدنى من شعره علي بن أحمد، وأخبرني أن بعض من كان يألفه أزمع على الرحيل في غداة ذكرها، فأتت السماء في تلك الغداة بمطر جود حال بينه وبين الرحيل، فكتب إليه أبو عمر:
هلا ابتكرت لبين أنت مبتكرهيهات بأبي عليك الله والقدر
ما زلت أبكي حذار البين ملتهفاًحتى رثى لي فيك الريح والمطر
يا برده من حيا مزن على كبدنيرانها بغليل الشوق تستعر
آليت أن لا أرى شمساً ولا قمراًحتى أراك فأنت الشمس والقمر
من شعره السائر:
الجسم في بلد والروح في بلديا وحشة الروح بل يا غربة الجسد
إن تبك عيناك لي يا من كلفت بهمن رحمة فهما سهماك في كبدي
وأخبرني أيضا أبو محمد، قال: أخبرني بعض الشيوخ، أن أبا عمر أحمد بن محمد ابن عبد ربه وقف تحت روشن لبعض الرؤساء، وقد سمع غناء حسناً، فرش بماء ولم يعرف من هو، فمال إلى مسجد قريب من المكان، واستدعى بعض ألواح الصبيان فكتب:
يا من يضن بصوت الطائر الغردما كنت أحسب هذا البخل في أحد
لو أن أسماع أهل الأرض قاطبةأصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد
فلا تضن على سمعى تقلدهصوتاً يجول مجال الروح في الجسد
لو كان زرياب حياً ثم أسمعهلذاب من حسد أو مات من كمد
أما النبيذ فإنى لست أشربهولست آتيك إلا كسرتى بيدى
وزرياب عندهم كان يجرى مجرى الموصلي في الغناء، وله طرائق أخذت عنه، وأصوات استفيدت منه، وألفت الكتب بها، وعلا عند الملوك هنالك بصناعته وإحسانه فيها علواً مفرطاً، وشهر شهرة ضرب بها المثل في ذلك.
ولأحمد بن محمد بن عبد ربه أشعار كثيرة جداً سماها الممحصات، وذلك أنه نقص كل قطعة قالها في الصبا والغزل، بقطعة في المواعظ والزهد، محصهابها، كالتوبة منها، والندم عليها؛ ومن ذلك قطعة محص بها القطعة المذكورة أولاً، وهي:
يا عاجزاً ليس يعفو حين يقتدرولا يقضي له من عيشة وطر
عاين بقلبك إن العين غافلةعن الحقيقة واعلم أنها سقر
سوداء تزفر من غيظ إذا سعرتللظالمين فلا تبقى ولا تذر
إن الذين اشتروا دنيا بآخرةوشقوة بنعيم ساء ما تجروا
يا من تلهى وشيب الرأس يندبهماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر
لو لم يكن لك غير الموت موعظةلكان فيه عن اللذات مزدجر
أنت المقول له ما فات مبتدئاًهلا ابتكرت لبين أنت مبتكر
وقرأت على الرئيس أبي منصور بكر بن محمد بن علي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد ابن عبد العزيز، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن رشيق بمصر، قال: أنشدنا أبو بكر يحيى بن مالك بن عايذ الأندلسى، قال: أنشدني أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه شاعر الأندلس لنفسه:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكةإذا اخضر منها جانب جف جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائععليها، ولا اللذات إلا مصائب
وكم سخنت بالأمس عين قريرةوقرت عيون دمعها اليوم ساكب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرةعلى ذاهب منها فإنك ذاهب
وحدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني بعض أصحابنا عن أبي عمر بن عفيف، أن سعيد بن القزاز أخبره، أن ابن عبد ربه قال هذه الأبيات قبل موته بأحد عشر يوماً، وهو آخر شعر قاله، وفيه بيان مبلغ سنه:
كلانى لما بي عاذلي كفانيطويت زماني برهة وطواني
بليت وأبلتني الليالي وكرهاوصرفان للأيام معتوران
وما لي أبلى لسبعين حجةوعشر أتت من بعدها سنتان
فلا تسألاني عن تباريح علتيودونكما مني الذي تريان
وإني بحمد الله راج لفضلهولى من ضمان الله خير ضمان
ولست أبالي عن تباريح علتيإذا كان عقلي باقيا ولسانى
هما ما هما في كل حال تلم بيفذا صارمي فيها، وذاك سناني
أحمد بن محمد الرعيني، حدث عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك.
أحمد بن محمد التاريخي، عالم بالأخبار، ألف في مآثر المغرب كتباً جمة، منها كتاب ضخم ذكر فيه: مسالك الأندلس، ومراسيها، وأمهات مدنها، وأجنادها الستة، وخواص كل بلد منها، وما فيه مما ليس في غيره، ذكره أبو محمد علي ابن أحمد وأثنى عليه.
أحمد بن محمد بن موسى الرازي، أندلسي، أصله من الري، له في أخبار ملوك الأندلس، وخدمتهم، وركبانهم وغزواتهم كتاب كبير، وألف في صفة قرطبة، وخططها، ومنازل العظماء بها، كتاباً على نحو ما بدأ به أحمد بن أبي طاهر في أخبار بغداذ وذكره لمنازل العظماء بها، كتاباً على نحو ما بدأ به أحمد بن أبي طاهر في أخبار بغداذ وذكره لمنازل صحابة المنصور بها، قاله أبو محمد علي بن أحمد، قال: ولأحمد بن محمد ابن موسى كتاب في أنساب مشاهير أهل الأندلس في خمس مجلدات ضخمة، من أحسن كتاب وأوسعه، كذا قال أبو محمد؛ ولم يبين إن كان هو الأول أو غيره، لأنه ذكر ذلك ف موضعين؛ وأنا أظنوه الذي قبله والله أعلم.
أحمد بن محمد بن فرج الجياني أبو عمر، وقد ينسب إلى جده فيقال أحمد ابن فرج؛ وكذلك أخوه، وهو وافر الأدب، كثير الشعر، معدود في العلماء، وفي الشعراء؛ وله الكتاب المعروف بكتاب الحدائق، ألفه للحكم المستنصر، وعارض فيه كتاب الزهرة لأبي بكر محمد بن داود بن علي الأصبهاني، إلا أن أبا بكر إنما ذكر مائة باب، في كل باب مائة بيت،
وأبو عمر أورد مائتي باب، في كل باب مائتى بيت ليس منها باب تكرر اسمه لأبي بكر، ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئا؛ قال لنا أبو محمد علي ابن أحمد: وأحسن الاختيار ما شاء، وأجاد فبلغ الغاية، فأتى الكتاب فرداً في معناه.
ولأحمد بن فرج أيضاً كتاب في المنتزين والقائمين بالأندلس وأخبارهم وأنشدني له أبو محمد علي بن أحمد الفقيه:
بأيهما أنا في الشكر بادىبشكر الطيف أم شكر الرقاد
سرى وأراد بي أملى ولكنعففت فلم أنل منه مرادى
وما في النوم من حرج ولكنحريت من العفاف على اعتيادى
ومن قوله أيضا:
وطائعة الوصال عدوت عنهاوما الشيطان فيها بالمطاع
بدت في الليل سافرة فباتتدياجى الليل سافرة القناع
وما من لحظة إلا وفيهاإلى فتن القلوب لها دواعى
فملكت النهى جمحات شوقىلأجرى في العفاف على طباعى
وبت بها مبيت السقب يظمافيمنعه الكعام من الرضاع
كذاك الروض ما فيه لمثلىسوى نظر وشم من متاع
ولست من السوائم مهملاتفأتخذ الرياض من المراعى
وكان الحكم المستنصر قد سجنه لأمر نقمه عليه؛ وأظنه مات في سجنه؛ وله في السجن أشعار كثيرة مشهورة.
أحمد بن محمد بن قاسم بن محمد، يروى عن أبيه عن جده، وقد ينسبون إلى بيانة. روى عنه أبو الفضل أحمد بن القاسم بن عبد الرحمن التاهرتى، شيخ من شيوخ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، وكان قاسم بن محمد جد أحمد
ابن محمد هذا من أهل العلم بالفقه والاختيار فيه، يميل إلى مذهب أبي عبد الله الشافعي، وله كتاب في الرد على المقلدين؛ ويعرف بصاحب الوثائق.
أحمد بن أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي أبو القاسم، من أهل الأدب والفضل، ولى قضاء إشبيلية بعد أبيه.
قال لي أبو محمد علي بن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم: إلا أنه كان شديد العجب؛ فأخبرني ابن عمي أبو عمر أحمد بن عبد الرحمن، قال: كتب أبو القاسم بن الزبيدي إلى الوزير أبيك كتاباً يرغب فيه إليه أن يحسن العناية به في بعض الأمور، وكتب في آخر الكتاب:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرىعدواً له ما من صداقته بد
قال ابن عمي: فأخبرني عمي، يعني الوزير أبا عمر، وقال: فحولت الكتاب ووقعت على ظهره ولم أزد:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرىصديقاً له ما من عداوته بد
أحمد بن محمد بن عبد الله بن بدر، أبو بكر، وقيل أبو مروان، من أهل بيت أدب، وشعر ورياسة، كان في أيام المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر، وأثيراً عنده ذكره أبو محمد علي بن أحمد، وكناه أبا بكر، وقال: أنشدني له أبو الوليد محمد بن محمد ابن حسن الزبيدي مما كتب به إلى أبي الحكم المنذر بن سعيد بن محمد بن مروان ابن المنذر، بن عبد الرحمن بن الحكم، في عتاب كان بينه وبينه:
يا ذا الذي لا يصون عرضىومذهبى فيه أن أصونه
رأيت إذ لم تكن حليمافي سورة الغيظ أن أكونه
أحمد بن محمد بن عبد الوراث، كان من أهل الأدب والفضل. أخبرني أبو محمد علي بن أحمد: أنه كان معلمه، قال: وأخبرني أنه رأى يحيى بن مالك بن عائذ، وهو شيخ كبير يهادى إلى المسجد، وقد دخل والصلاة تقام، قال: فسمعته ينشد بأعلى صوته:
يا رب لا تسلبني حبها أبداًويرحم الله عبداً قال آميناً
قال: فلم أشك أنه يريد الصلاة.
أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد أبو عمر، يعرف بابن الجسور الأموي، مولى لهم محدث مكثر؛ سمع أبا علي الحسن بن سلمة بن سلمون صاحب أبي عبد الرحمن النسائى، وأبا بكر أحمد بن الفضل بن العباس الدينوري؛ حدث عنه بكتاب التاريخ لمحمد بن جرير الطبري، حدثه به عن الطبري؛ وأخبرنا به أبو عمر ابن عبد البر، قال حدثني بالتاريخ المعروف بذيل المذيل أبو عمر أحمد ابن محمد بن الجسور، عن أبي بكر أحمد بن الفضل الدينوري، عن الطبري. وسمع من الأندلسيين وهب بن مسرة، ومحمد بن معاوية القرشي، وقاسم بن أصبغ، وابن أبي دليم، وطبقتهم؛ وسمع منه جماعة، منهم: أبو عمر بن عبد البر النمري، وأبو محمد على بن أحمد، وأخبرني عنه أبو محمد بكتاب التاريخ أيضا، وقال لي: إنه أول شيخ سمع منه قبل الأربع مائة، وأنه مات في منزله ببلاط مغيث بقرطبة في يوم الأربعاء أول ليلة الخميس لأربع بقين من ذي القعدة سنة إحدى وأربع مائة.
أحمد بن محمد بن عافية الرباحى، أبو القاسم. ذكره أبو محمد عبد الغني ابن سعيد الحافظ المصري، وقال: سمع منا، وسمعنا منه.
أحمد بن محمد الإشبيلي أبو عمر يعرف بابن الحرار، رجل صالح محدث، روى عن أبي عمر أحمد بن سعيد ابن حزم الصدفي كتابه الكبير في التريخ. ذكره أبو عمر النمري.
أحمد بن محمد بن الحاج بن يحيى، أبو العباس الإشبيلي، سكن مصر وحدث بها؛ وكان مكثراً، خرج عليه أبو نصر السجستانى الحافظ عبيد الله بن سعيد أجزاء كثيرة عن عدة مشايخ، منهم: أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي الموت، ومحمد ابن جعفر بن دران المعروف بغندر، وغيرهما.
حدثنا عنه بمصر القاضي أبو الحسن علي بن الحسن، بن الحسين الفقيه المصري المعروف بابن الخلعي، وأبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله الحبال، وأثنى عليه وقال لي: مات في اليوم الثالث عشر من صفر سنة خمس عشرة وأربع مائة بالفسطاط.
أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن القاضي، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد ابن الحاج بن يحيى، قال: حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر بن دران غندر، قال حدثنا إسماعيل بن علي بن علي الشافعي، قال: نا محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي، قال: حدثنا أبو نواس الحسن بن هاني، قال: نا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله عليه وسلم: لا يموتن أحدكم حتى يحسن الظن بالله، فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة.
وأخبرنا أبو إسحاق الحبال، قال: أخبرنا أبو العباس الإشبيلي، قال: نا غندر، قال: أنشدنا محمد بن أيوب بن حبيب بن يحيى، لهلال بن العلاء بن هلال:
أحن إلى لقائك غير أنيأجلك عن عتاب في كتاب
ونحن إذا التقينا قبل موتشفيت غليل صدري من عتاب
وإن سبقت بنا أيدي اللياليفكم من عاتب تحت التراب
أحمد بن محمد بن سعدى، أبو عمر، فقيه، فاضل، محدث، رحل قبل الأربع مائة بمدة، فلقى أبا محمد بن أبي زيد بالقيروان، وأبا بكر محمد بن عبد الله الأبهرى بالعراق، وغيرهما، ورجع إلى الأندلس وحدث؛ فسمعت أبا عبد الله محمد بن الفرج ابن عبد الله الولي الأنصاري يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن أبي زيد يسئل أبا عمر أحمد بن محمد بن سعدي المالكي عند وصوله إلى القيروان من ديار المشرق، وكان أبو عمر دخل ببغداذ في حياة أبي بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري، فقال له يوماً: هل حضرت مجالس أهل الكلام؟ فقال بلى. حضرتهم مرتين، ثم تركت مجالسهم ولم أعد إليها. فقال له أبو محمد: ولم؟ فقال: أما أول مجلس حضرته فرأيت مجلساً قد جمع الفرق كلها؛ المسلمين من أهل السنة والبدعة، والكفار من المجوس، والدهرية، والزنادقة، واليهود، والنصارى، وسائر أجناس الكفر، ولكل فرقة رئيس يتكلم على مذهبه، ويجادل عنه، فإذا جاء رئيس من أي فرقه كان، قامت الجماعة إليه قياماً على أقدامهم حتى يجلس فيجلسون بجلوسه، فإذا غص المجلس بأهله، ورأو أنه لم يبق لهم أحد ينتظرونه، قال قائل من الكفار: قد اجتمعتم للمناظرة، فلا يحتج علينا المسلمون بكتابهم، ولا يقول نبيهم، فإنا لا نصدق بذلك ولا نقر به، وإنما نتناظر بحجج العقل، وما يحتمله النظر والقياس، فيقولون: نعم لك ذلك. قال أبو عمر: فلما سمعت ذلك لم أعد إلى ذلك المجلس، ثم قيل لي ثم مجلس آخر للكلام، فذهبت إليه، فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم سواء،
فقطعت مجالس أهل الكلام، فلم أعد إليها. فقال أبو محمد بن أبي زيد: ورضى المسلمون بهذا من الفعل والقول؟ قال أبو عمر: هذا الذي شاهدت منهم، فجعل أبو محمد يتعجب من ذلك، وقال: ذهب العلماء، وذهبت حرمة الإسلام وحقوقه، وكيف يبيح المسلمون المناظرة بين المسلمين وبين الكفار؟ وهذا لا يجوز أن يفعل لأهل البدع الذين هم مسلمون ويقرون بالإسلام، وبمحمد ﵇، وإنما يدعى من كان على بدعة من منتحلى الإسلام إلى الرجوع إلى السنة والجماعة، فإن رجع قبل منه، وإن أبى ضربت عنقه؛ وأما الكفار فإنما يدعون إلى الإسلام، فإن قبلوا كف عنهم، وإن أبو وبذلوا الجزية في موضع يجوز قبولها كف عنهم، وقبل منهم، وأما أن يناظروا على أن لا يحتج عليهم بكتابنا، ولا بنبينا، فهذا لا يجوز؛ ف " إنا لله وإنا إليه راجعون ". وبقى أبو عمر بن سعدى بعد الأربع مائة بمدة؛ فحدثنا عنه أبو محمد عبد الله بن عثمان ابن مروان العمري، وقد رأيت أنا سماعه في بعض الكتب المصرية من أبي محمد عبد الرحمن بن عمر ابن النحاس المصري سنة تسع وأربع مائة، بخط أبي محمد بن النحاس، فدل على أنه عاد إلى مصر بعد تلك الرحلة القديمة أيام الفتن الكائنة بالمغرب.
أحمد بن محمد بن دراج أبو عمر الكاتب المعروف بالقسطلي، نسب إلى موضع هناك يعرف بقسطلة دراج، كان كاتباً من كتاب الإنشاء في أيام المنصور أبي عامر، وهو معدود في جملة العلماء والمقدمين من الشعراء، والمذكورين من البلغاء، وشعره كثير مجموع يدل على علمه؛ وله طريقة في البلاغة والرسائل، تدل على اتساعه وقوته، وأول من مدح من الملوك فالمنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر مدبر دولة هشام المؤيد، وأول شعر مدحه به بقوله
يعارض أبا العلاء صاعد بن الحسن اللغوي بقصيدة أولها:
أضاء لها فجر النهى فنهاهاعن الدنف المضني بحر هواها
وضللها صبح جلا ليلة الدجىوقد كان يهديها إلى دجاها
وهي طويلة مستحسنة، فساء الظن بجودة ما أتى به من الشعر واتهم فيه؛ وكان للشعراء في أيام المنصور أبي عامر ديوان يرزقون منه على مراتبهم، ولا يخلون بالخدمة بالشعر في مظانها، فسعى به إلى المنصور، وأنه منتحل سارق لا يستحق أن يثبت في ديوان العطاء، فاستحضره المنصور عشى يوم الخميس لثلاث خلون من شوال سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة، واقترح عليه، فبرز وسبق، وزالت التهمة عنه، فوصله بمائة دينار، وأجرى عليه الرزق، وأثبته في جملة الشعراء؛ ثم لم يزل يسهر ويجود شعره فيما بعد؛ وفي ذلك المجلس بين يدي المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر قال القصيدة المشهورة التي أولها:
حسبي رضاك من الدهر الذي عتباوعطف نعماك للحظ الذي انقلبا
وهي طويلة حسنة عدد فيها المعنى الذي استحضر من أجله، وتكذيب الدعوى التي قذف بها؛ ومنها:
ولست أول من أعيت بدائعهفاستدعيت القول ممن ظن أو حسبا
إن امرأ القيس في بعض لمتهموفي يديه لواء الشعر إن ركبا
والشعر قد أسر الأعشى وقيدهدهراً، وقد قيل: والأعشى إذا شربا
وكيف أظما وبحرى زاخر مطناًإلى خيال من الضحضاح قد نضبا
فإن نأى الشك عني أوفها أنذامهيأ لجلي الخبر مرتقبا
عبد لنعماك في فكيه نجم هدىسار لمدحك يجلو الشك والريبا
إن شئت أملي بديع الشعر أو كتباأو شئت خاطب بالمنثور أو خطبا
كروضة الحزن أهدى الوشى منظرهاوالماء والزهر والأنوار والعشبا
أو سابق الخيل أعطى الحضر متئداًوالشد والكر والتقريب والخببا
وأكثر ما حكينا من هذا، فعن أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد الفقيه؛ وأخبرني أن المنصور أبا عامر لما فتح شنت ياقب أو غيرها من القلاع الحصينة التي يقال إن أحداً لم يصل إليها قبله، استدعى أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج، وأبو مروان عبد الملك بن إدريس المعروف بابن الجزيري، وأمرا بإنشاء كتب الفتح إلى الحضرة، وإلى سائر الأعمال، فأما ابن الجزيرى فقال: سمعاً وطاعة، وأما ابن دراج فقال: لا يتم لي ذلك في أقل من يومين أو ثلاثة، وكان معروفاً بالتنقيح، والتجويد، والتؤدة، فخرج الأمر إلى ابن الجزيري بالشروع في ذلك، فجلس في ظل السرادق ولم يبرح حتى أكمل الكتب في ذلك، وقيل لابن دراج افعل ذلك على اختيارك، فقد فسح لك فيه، ثم جاء بعد ذلك بنسخة الفتح، وقد وصف الغزاة من أولها إلى آخرها، ومشاهد القتال، وكيفية الحال، بأحسن وصف، وأبدع رصف، فاستحسنت ووقع الإعجاب بها، ولم تزل منقولة متداولة وإلى الآن، وما بقي من نسخ ابن الجزيري في ذلك الفتح على كثرتها عين ولا أثر.
ومن مذهبات أشعاره في ذي الرياستين منذر بن يحيى صاحب سرقسطة: قصيدة طويلة أولها:
قل للربيع اسحب ملاء سحائبيواجرر ذيولك في مجر ذوائبي
لا تكذبن ومن ورائك أدمعيمدداً إليك بفيض دمع ساكب
وامزج بطيب تحيتي غدق الحيافاجعله سقى أحبتي وحبائبي
واجنح لقرطبة فعانق تربهاعني بمثل جوانحي وترائبي
وانشر على تلك الأباطح والربازهراً يخبر عنك أنك كاتبي
وله من أخرى:
ويالك من ذكرى سناء ورفعةإذا وضعوا في الترب أيمن شقيا
وفاحت ليالي الدهر مني ميتاًفأخرين أياماً دفنت بها حياً
وكان ضياعي حسرة وتندماًإذا لم يفد شيئاً ولم يغنني شيا
وأصبحت في دار الغنا عن ذوي الغناوعوضت فاستقبلت أسعد يوميا
أخبرني أبو عبد الله مالك بن محمد بن عمروس التجيبي: أن بعض الأدباء أرسل إلى أبي عمر القسطلي بأبيات لغز، وسأله أن يفسرها فلم يتعب خاطره فيها، وكتب على ظهر الرقعة بديهة:
إذا شذر عن العرب المعانيفليس إلى تعرفها سبيل
وما يحيوه هذا الدهر أنأىوأبعد من شبا فكر يجول
وربتما بطول الفكر يدريولكن عاجل الفكر الرسول
وأنشدني له أبو جعفر بن البين بالمرية في الأمير منذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة:
يا عاكفين على المدام تنبهواوسلوا لساني عن مكارم منذر
ملك لو استوهبت حبة قلبهكرماً لجاد بها ولم يتعذر
سمعت أبا محمد علي بن أحمد، وكان عالماً بنقد الشعر يقول: لو قلت إنه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن دراج لم أبعد وقال مرة أخرى: لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج لما تأخر عن
شأو حبيب والمتنبي مات أبو عمر ابن دراج قريباً من العشرين وأربع مائة.
أحمد بن محمد بن عبد الله المقرئ الطلمنكي أبو عمر، محدث منسوب إلى بلده، وكان إماماً في القراآت مذكوراً، وثقة في الرواية مشهوراً، رحل فسمع أبا بكر محمد ابن يحيى بن عمار الدمياطي، صاحب أبي بكر بن المنذر، وأبا الطيب عبد المنعم بن عبيد الله ابن غلبون، وأبا بكر محمد بن علي بن أحمد المعروف بابن الأذفوي، وغيرهم، وسمع بالأندلس محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج القاضي، وأبا جعفر أحمد بن عون الله، وطبقتهما. مات بعد العشرين وأربع مائة. روى عنه أبو محمد بن حزم، وأبو عمر بن عبد البر، وجماعة.
أحمد بن محمد بن عيسى البلوى أبو بكر المعروف بابن الميراثي، يلقب غندراً، محدث حافظ حدث بالأندلس عن أبي عثمان سعيد بن نصر المعروف بابن أبي الفتح مولى الأمير عبد الرحمن بن محمد، وعن أبي الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التاهرني البزاز، سمع منه بالأندلس أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذرى، وحدث عنه.
أحمد بن محمد أبو العباس المهدوي المغربي أصله من المهدية من بلاد القيروان، ودخل الأندلس في حدود الثلاثين وأربع مائة أو نحوها، وكان عالماً بالقراآت والأدب متقدماً، ذكره لي بعض أهل العلم بالقراآت، وأثنى عليه؛ وأنشدني له في ظاآت القرآن:
ظنت عظيمة ظلمنا من حظهافظللت أوقظها لكاظم غيظها
وظعنت أنظر في الظلام وظلهظمئان أنتظر الظهور لوعظها
ظهري وظفرى ثم عظمى في لظىلأظاهرن لحظها ولحفظها
لفظي شواظ أو كشمس ظهيرةظفر لدى غلظ القلوب وفظها
أحمد بن محمد الخولاني المعروف بابن الأبار، أبو جعفر، شاعر من شعراء إشبيلية، كثير الشعر؛ أنشدني له أبو محمد علي بن أحمد من قصيدة في الرئيس أبي الوليد إسماعيل بن حبيب يعزيه عن جارية ماتت عنده، ويهنئه بمولود ولد له:
أو ما رأيت الدهر أقبل معتبامتنصلا بالعذر لما أذنبا
بالأمس أذوى في رياضك أيكةواليوم أطلع في سمائك كوكبا
كان حيا في حدود الثلاثين وأربع مائة.
أحمد بن محمد الجياني المعروف بتيس الجن، شاعر خليع، يجرى في وصف الخمر مجرى أبي علي الحسن بن هاني، لم أجد من شعره شيئاً إلا فيها؛ ومنه قوله:
امزجي يا مدام كأس المدامقد مضى وانقضى ذمام الصيام
وأبي العيد أن ندين بدينغير دين الصبا ودين المدام
حبذا ميتة تعود حياةبين غض البهار والنمام
أحمد بن محمد بن أحمد بن برد، مولى أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد ابن شهيد، أبو حفص الكاتب، مليح الشعر، بليغ الكتابة، من أهل بيت أدب ورياسة له: رسالة في السيف والقلم، والمفاخرة بينهما، وهو أول من سبق إلى القول في ذلك بالأندلس، وقد رأيته بالمرية بعد الأربعين وأربع مائة، زائراً لأبي محمد علي ابن أحمد غير مرة؛ ومن شعره:
تأمل فقد شق البهار مغلساًكما ميه عن نواره المخضل الندى
مداهن تبر في أنامل فضةعلى أذرع مخروطة من زبرجد
ومنه:
لما بدا في لازوردى الحرير وقد بهر
كبرت من فرط الجمال وقلت ما هذا بشر
فأجابني: لا تنكرنثوب السماء على القمر
ومن شعره:
قلبي وقلبك لا محالة واحدشهدت بذلك بيننا الألحاظ
فتعال فلنغظ الحسود بوصلناإن الحسود بمثل ذاك يغاظ
آخر الجزء الثالث من الأصل
الجزء الرابع من تجزئة الأصل
أحمد بن إبراهيم بن عجنس بن أسباط الزبادي بالباء المعجمة بواحدة، محدث أندلسي، يكنى أبا الفضل والزباد: ولد كعب بن حجير بن الأسود ابن الكلاع؛ مات سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة، وله أخ اسمه عبد الرحمن ذكرهما أبو سعيد المصري.
أحمد بن إسماعيل بن دليم، أبو عمر القاضي الجزيري، سمع محمد بن أحمد ابن الخلاص وغيره. سمعنا منه، مات قبل الأربعين وأربع مائة.
أحمد بن أفلح، أبو عمر مولى حبيب؛ قال لي أبو محمد علي بن أحمد: وقد رأيته، وكان محدثاً، أديباً، شاعراً، مقبولاً في الشهادة عند الحكام؛ وأنشدني من شعره:
يا من شقيت على بعد الديار بهكما شقيت به إذ كان مقتربا
ما أستريح إلى حال فأحمدهابالبين قلبي، وقبل البين، قد ذهبا
إن كان لي أرب في العيش بعدكمفلا قضيب إذاً من حبكم أربا
أحمد بن أبان بن سيد اللغوي، روى عن أبي علي إسماعيل بن القاسم القالي؛ روى عنه أبو عمر يوسف بن عبد الله بن خيرون الأديب النحوي. قاله لي أبو الحسن العابدي.
أحمد بن بقي بن مخلد، يكنى أبا عمر، وقيل: أبو عبد الله، قاضي الجماعة بالأندلس، محدث؛ مات بها سنة أربع وعشرين وثلاث مائة، في أيام الأمير عبد الرحمن الناصر.
أحمد بن بشر، بن محمد، بن إسماعيل بن بشر التجيبي أبو عمر يعرف بابن الأغبس محدث أندلسي، مات بها سنة سبع وعشرين وثلاث مائة.
أحمد بن برد أبو حفص الوزير، جد أحمد بن محمد الكاتب الذي أكردناه وقد ذكرناه؛ كان ذا حظ وافر من الأدب والبلاغة والشعر، رئيساً مقدماً في الدولة العامرية وبعدها؛ قال لي أبو محمد علي بن أحمد: مات سنة ثمان عشرة وأربع مائة.
أحمد بن تليد الكاتب أندلسي شاعر أديب، ذكره أبو محمد علي ابن أحمد؛ ومن شعره:
لم أرض بالذل وإن قلاوالحر لا يحتمل الذلا
يا رب خل كان لي خاملصار إلى العزة فاحولا
حرمت إلمامتي على بابهووصله لم أره حلا
تأبى على النفس من أن أرىيوماً على مستثقل كلا
أحمد بن جهور، شاعر أديب في الدولة العامرية، كتبت من شعره أبياتاً إلى الحاكم الخطيب أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الشرفي مع هدية ألغز بذكرها وهي:
عذراء حبلى من بنات عددمتى أردت الوضع منها تلد
يشق عن أولادها جلدهاوهي على ذلك تبدي الجلد
دم التقى يخرج من بطنهاحل به يشفى غليل الكمد
ما إن رأينا قلبها مثلهاأم حلال قتلها والولد
أرسلت منها عدداً فاستجزقليلة من شاكر لو وجد
لأرسل الدنيا وقلت لماأوليته من نعم لا تحد
النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع