تجاوز إلى المحتوى

من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)

باب الباء من اسمه بقى

بقى به مخلد أبو عبد الرحمن من حفاظ المحدثين، وأئمة الدين، والزهاد الصالحين، رحل إلى المشرق فروى عن الأئمة وأعلام السنة؛ منهم الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل، وأبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وأحمد بن إبراهيم الدورقى، وجماعة أعلام يزيدون على المائتين، وكتب المصنفات الكبار، والمنثور الكثير، وبالغ في الجمع والرواية، ورجع إلى الأندلس فملأها علما جماً، وألف كتباً حساناً تدل على احتفاله واستكثاره.

قال لنا أبو محمد على بن أحمد: فمن مصنفات أبي عبد الرحمن بقى بن مخلد: كتابه في تفسير القرآن، فهو الكتاب الذي أقطع قطعاً لا أستثنى فيه أنه لم يؤلف في الإسلام مثله، ولا تفسير محمد بن جرير الطبرى، ولا غيره؛ ومنها في الحديث مصنفة الكبير الذي رتبه على أسماء الصحابة ﵃، فروى فيه عن ألف وثلاث مائة صاحب، ونيف، ثم رتب حديث كل صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام، فهو مصنف ومسند، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته، وضبطه، وإتقانه، واحتفاله فيه في الحديث، وجودة شيوخه، فإنه روى عن مائتى رجل وأربعة وثمانين رجلاً ليس فيهم عشرة ضعفاء، وسائرهم أعلام مشاهر.

ومنها مصنفه في فتاوى الصحابة والتابعين ومن دونهم الذي أربى فيه على مصنف أبي بكر بن أبي شيبة، ومصنف عبد الرازق بن همام، ومصنف سعيد

بن منصور، وغيرها؛ وانتظم علماً عظيما لم يقع في شيء من هذه؛ فصارت تواليف هذا الإمام الفاضل قواعد للإسلام لا نظير لها، وكان متخيراً لا يقلد أحداً، وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل، وجارياً في مضمار أبي عبد الله البخارى، وأبي الحسين مسلم ابن الحجاج النيسابوري، وأبي عبد الرحمن النسائى رحمة الله عليهم. هذا آخر كلام أبي محمد.

قال أبو سعيد بن يونس في تاريخه: إن بقى بن مخلد مات بالأندلس سنة ست وسبعين ومائتين. وقال أبو الحسن الدارقطني في المختلف: إنه مات سنة ثلاث وسبعين، وقد تقدم في اسم محمد بن سعيد بالإسناد الذي لا شك في صحته، أن الأمير عبد الله بن محمد شاور الفقهاء، وفيهم بقى بن مخلد في قتل الزنديق فصح كونه حياً في أيام عبد الله. وكانت ولايته في سنة خمس وسبعين، وتمادت إلى الثلاث مائة؛ هكذا أخبرنا أبو محمد فيما جمعه من ذكر أوقات الأمراء وأيامهم بالأندلس. وهذا شاهد لصحة قول أبي سعيد والله أعلم.

روى عن بقى بن مخلد جماعة: منهم أسلم بن عبد العزيز بن هاشم القاضي، وأحمد بن خالد بن يزيد، ومحمد بن قاسم بن محمد، والحسن بن سعيد بن إدريس بن رزين البربي الكتامي من أهل المغرب، وعلي بن عبد القادر بن أبي شيبة الأندلسي، وعبد الله بن يونس المرادي، وكان مختصاً به مكثراً عنه، وعنه انتشرت كتبه الكبار، ولعله آخر من حدث عنه من أصحابه.

؟ أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري في إجازة وصلت إلينا منه، وقرأته بخط أبي بكر أحمد بن علي الحافظ، فيما حدث به عنه، قال: سمعت حمزة بن يوسف السهمى يقول:

سمعت أبا الفتح نصر بن أحمد بن عبد الملك يقول: سمعت عبد الرحمن بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: جاءت امرأة إلى بقى بن مخلد، فقالت: إن ابنى قد أسره الروم، ولا أقدر على مال أكثر من دويرة، ولا أقدر على بيعها، فلو أشرت إلى من يفديه بشى، فإنه ليس لي ليل ولا نهار ولا نوم ولا قرار، فقال: نعم. انصرفى حتى أنظر في أمره إن شاء الله، قال: وأطرق الشيخ وحرك شفتيه، قال: فليثنا مدة، فجاءت المرأة ومعها ابنها فأخذت تدعو له وتقول: قد رجع سالماً، وله حديث يحدثك به، فقال الشاب: كنت في يدي بعض ملوك الروم مع جماعة من الأسارى، وكان له إنسان يستخدمنا كل يوم؛ يخرجنا إلى الصحراء للخدمة، ثم يردنا وعلينا قيودنا، فبينا نحن نجئ من العمل مع صاحبه الذي كان يحفظنا، فانفتح القيد من رجلي، ووقع على الأرض، ووصف اليوم والساعة، فوافق الوقت الذي جاءت المرأة ودعا الشيخ، فنهض إلي الذي كان يحفظني وصاح علي وقال: كسرت القيد! فقلت: لا. إلا أنه سقط من رجلي، قال: فتحير وأخبر صاحبه، وأحضر الحداد وقيدوني، فلما مشيت خطوات سقط القيد من رجلي، فتحيروا في أمري، فدعوا رهبانهم فقالوا لي: ألك والدة؟ قلت نعم! فقالوا: وافق دعاؤها الإجابة وقالوا: أطلقك الله فلا يمكننا تقيدك، فزودونى وأصحبوني إلى ناحية المسلمين.

بقى بن العاص محدث أندلسى، مات بها سنة أربع وعشرين وثلاث مائة.

النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.