من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
مما وقع من الكلام كالإيماء
ومما وقع كالإيماء قول الفرزدق:
ضربت عليك العنكبوت بنسجهاوقضى عليك به الكتاب المنزل
فتأويل هذا أن بيت جرير في العرب كالبيت الواهن الضعيف، فقال: وقضى عليك به الكتاب المنزل: يريد به قول الله ﵎: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾.
ومن كلامه المستحسن قوله لجرير:
فهل ضربة الرومي جاعلة لكمأبا عن كليب أو أباً مثل دارم
ومن أقبح الضرورة، وأهجن الألفاظ، وأبعد المعاني قوله:
وما مثله في الناس إلا مملكاًأبو أمه حي أبوه يقاربه
مدح بهذا الشعر إبراهيم بن هشام بن اسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله عمر بن عمر بن مخزوم، وهو خال هشام بن عبد الملك، فقال:
وما مثله في الناس إلا مملكاً
يعني بالمملك هشاماً، أبو أم ذلك المملك أبو هذا الممدوح، ولو كان هذا الكلام على وجهه لكان قبيحاً، وكان يكون إذا وضع الكلام في موضعه أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح، فدل على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد، وهجنه بما أوقع فيه من التقديم والتأخير: حتى كأن هذا الشعر لم يجتمع في صدر رجل واحد مع قوله حيث يقول:
تصرم مني ود بكر بن وائلٍوما كاد مني ودهم يتصرم
قوارص تأتيني ويحتقرونهاوقد يملأ القطر ألإناء فيفعم
وكأنه لم يقع ذلك الكلام لمن يقول:
والشيبينهض في السواد كأنهليل يصيح بجانبيه نهار
فهذا أوضح معنى، وأعرب لفظٍ، وأقرب مأخذٍ.
وليس لقدم العهد يفضل القائل، ولا لحدثان عهد يهتضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق، ألا ترى كيف يفضل قول عمارة على قرب عهده:
تبحثتم سخطي فغير بحثكمنخيلة نفسٍ كان نصحاً ضميرها
ولن يلبث التخشين نفساً كريمةعريكتها أن يستمر مريرها
وما النفس إلا نطفة بقرارةٍإذا لم تكدر كان صفواً غديرها
فهذا كلام واضح، وقول عذبٌ، وكذلك قوله إيضاً:
بني دارم إن يفن عمري فقد مضىحياتي لكم مني ثناءٌ مخلد
بدأتم فأحسنتم فأثنيت جاهداًوإن عدتم أثنيت، والعود أحمد
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع