من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
مما قيل في الشباب والهرم
وقال النمر بن تولب:
تدارك ما قبل الشباب وبعدهحوادث أيام تمر وأغفل
يسر الفتى طول السلامة والبقافكيف يرى طول السلامة يفعل
يرد الفتى اعتدال وصحةٍبنوء إذا رام القيام ويحمل
قصر "البقاء" ضرورة، وللشاعر إذا اضطر أن يقصر المدود، وليس له أن يمد المقصور، وذلك أن الممدود قبل آخره ألف زائدة، فإذا احتاج حذفها لأنها ألف زائدة، فإذا حذفها رد الشيء إلى أصله، ولو مد المقصور لكان زائداً في الشيء ما ليس منه، قال الشاعر وهو يزيد بن عمرو بن الصعق:
فرغتم لتمرين السياط وأنتميشن عليكم بالفنا كل مربع
فقصر" الفناء" وهو ممدود. وقال الطرماح:
وأخرج أمه لسواس سلمىلمعفور الضرا ضرم الجنين
قوله: "وأخرج"، يعني رماداً، والأخرج الذي في لونه سواد وبياض، يقال: نعامة خرجاء.
وقوله: "لسواس سلمى"، فإن أجأ وسلمى جبلاً طيئ، وسواس سلمى: الموضع الذي بحضرة سلمى، يقال: هذا من سواس فلان ومن توس فلان: أي من طبعه. وأمه: يعني الشجرة التي هي أصله.
وقوله" لمعفور الضرا": فالضراء: ما واراك من شجرة خاصةً، والخمر ما واراك من شيء. والمعفور: يعني ما سقط من النار من الزند.
وقوله: "ضرم الجنين" يقول مشتعلٌ، والجنين: ما لم يظهر بعد، يقال للقبر جنن، والجنين: الذي في بطن أمه، والمجن: الترس لأنه يستر، والمجنون: المغطى العقل، وسمي الجن جناً لاختفائهم، وتسمى الدروع الجنن لأنها تستر من كان فيها. وقصر "الضراء" وهو ممدود، ومثل هذا كثير في الشعر جداً.
وقوله: "ينوء إذا رام القيام"، يقول: ينهض في تثاقلٍ، قال الله ﷿: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ والمعنى أن العصبة تنوء بالمفاتح، ولشرح هذا موضع آخر.
وقال آخر:
أنوء ثلاثاً بعدهن قيامي
ويروى عن رسول اله ﷺ أنه قال: "كفى بالسلامة داء". وقال حميد بن ثور الهلالي:
أرى بصري قد رابني بعد صحةٍوحسبك داء أن تصح وتسلما
ولا يلبث العصران يومٌ وليلةٌإذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وقال أبو حية النميري:
ألا حي من أجل الحبيب المغانيالبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يومٌ وليلةٌتقاضاه شيءٌ لا يمل التقاضيا
وقال بعض شعراء الجاهلية:
كانت قناتي لا تلين لغامرفألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربي في السلامة جاهداًليصحني، فإذا السلامة داء
وقال عنترة بن شداد:
فما أوهى مراس الحرب ركنيولكن ما تقادم من زماني
ومن أمثال العرب إذا طال عمر الرجل أن يقولوا: "لقد أكل الدهر عليه وشرب"، إنما يريدون أنه أكل هو وشرب دهراً طويلاً، قال الجعدي:
أكل الدهر عليهم وشرب
والعرب تقول: نهارك صائم، وليلك قائم، أي أنت قائم في هذا وصائم في ذاك، كما قال الله ﷿: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ والمعنى والله أعلم، بل مكركم في الليل والنهار، وقال جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرىونمت، وما ليل المطي بنائم
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع