تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

جرير بن عبد الله البجلي عند معاوية

قال أبو العباس: وجه علي بن أبي طالب ﵁ جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية ﵀ يأخذه بالبيعة له، فقال له: إن حولي من ترى من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، ولكني اخترتك لقول رسول الله ﷺ فيك: "خير ذي يمن"، إيت معاوية فخذه بالبيعة، فقال جرير: والله ياأمير المؤمنين ما أدخرك من نصرتي شيئاً، وما أطمع لك في معاوية، فقال علي ﵁: إنما قصدي حجة أقيمها عليه، فلما إتاه جرير دافعه معاوية، فقال له جريرٌ: إن المنافق لا يصلي حتى لا يجد من الصلاة بداً، ولا أحسبك تبايع حتى لا تجد من البيعة بداً فقال له معاوية: إنها ليست بخدعة الصبي عن اللبن إنه أمر له ما بعده، فأبلعني ريقي. فناظر عمراً، فطالت المناظرة بينهما، وألح عليه جرير، فقال له معاوية: ألقاك بالفصل في أول مجلس إن شاء الله تعالى.

ثم كتب لعمرو بمصر طعمة، وكتب عليه: "ولا ينقض شرطٌ طاعة"، فقال عمرو: يا غلام اكتب، ولا تنقض طاعة شرطاً، فلما اجتمع له أمره رفع عقيرته ينشد ليسمع جريراً:

تطاول ليلي واعترتني وساوسيلآتٍ أتى بالترهات البسابس
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة
أتاني جريرٌ والحوادث جمةٌبتلك التي فيها اجتداع المعاطس
أكايده والسيف بيني وبينهولست لأثوب الدني بلابس
إن الشأم أعطت طاعةً بمنيةتواصفها أشياخها في المجالس
فإن يفعلو أصدم علياً بجبهةٍتفت عليه كل رطبٍ ويابس
وإني لأرجو خير ما نال نائلٌوما أنا من ملك العراق بيائس
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب: أما بعد: فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريء من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف. وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كان شورى بين المسلمين. ولعمري ما حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير، لأنهما بايعاك ولم أبايعك. وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لأن أهل البصرة، أطاعوك ولم يعطك أهل الشام، وأما شرفك في الإسلام، وقرابتك من رسول الله ﷺ وموضعك من قريش فلست أدفعه. ثم كتب في كتاب إليه في آخر الكتاب بشعر كعب بن جعيل، وهو:

أرى الشأم تكره ملك العراقوأهل العراق لهم كارهينا
للشاعر كعب بن جعيل، اقرأ القصيدة
وكلا لصاحبه مبغضاًيرى كل ما كان من ذاك دينا
إذا ما رمونا رميناهمودناهم مثل ما يقرضونا
فقالوا: علي إمامٌ لنافقلنا: رضينا ابن هند رضينا
وقالوا: نرى أن تدينوا لهفقلنا: ألا لا نرى أن ندينا
ومن دون ذلك خرط القتادوضربٌ وطعنٌ يقر العيونا

وأحسن الروايتين: "يفض الشؤونا". وفي آخر هذا الشعر ذم لعلي بن أبي طالب ﵁ أمسكنا عن ذكره.

قوله: "ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين" فهو من الإغراء وهو التحضيض عليه، يقال أغريته به، وآسدته الكلب على الصيد أوسه إيساداً، ومن قال: أشليت الكلب في معنى أغريت فقد أخطأ، إنما أشليته دعوته إلي وآسدته أغريته.

وقول ابن جعيل:

وأهل العراق لهم كارهينا

محمول على "أرى" ومن قال:

وأهل العراق لهم كارهونا

فالرفع من وجهين: أحدهما قطعٌ وابتداءٌ، ثم عطف جملة على جملة بالواو، ولم يحمله على أرى، ولكن كقولك كان زيدٌ منطلقاً، وعمرو منطلقٌ الساعة، خبرت بخبر بعد خبر، والوجه الآخر أن تكون الواو وما بعدها حالاً، فيكون معناها "إذ"، كما تقول رأيت زيداً قائماً وعمرو منطلق، تريد إذ: عمٌرو منطلق. وهذه الآية تحمل على هذا المعنى، وهو قول الله ﷿: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، والمعنى والله أعلم: إذ طائفةٌ في هذه الحال وكذلك قراءة من قرأ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾، أي والبحر هذه حاله، وإن قرأ ﴿وَالْبَحْرُ﴾ فعلى"أن"

وقوله:

ودناهم مثل ما يقرضونا

يقول جزيناهم. وقال المفسرون في قوله ﷿: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قالوا: يوم الجزاء والحساب، ومن أمثال العرب: "كما تدين تدان"، وأنشد أبو عبيدة:

واعلم وأيقن أن ملكك زائلٌواعلم بأن كما تدين تدان

وللدين مواضع منها كا ذكرنا، ومنها الطاعة ودين الإسلام من ذلك يقال: فلان في دين فلانٍ، أي لم يكونوا في دين ملك، وقال زهيرٌ:

لئن حللت بجو في بني أسدٍفي دين عمرو وحالت بيننا فدك
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا»

فهذا يريد: في طاعة عمرو بن هند، والدين: العادة، يقال: ما زال هذا ديني ودأبي وعادتي وديدني وإجرياي، قال المثقب العبدي:

تقول إذا درأت لها وضينيأهذا دينه أبداً وديني
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»
أكل الدهر حل وارتحالٌأما تبقي علي وما تقيني
للشاعر جرير، من قصيدة «عرين من عرينة ليس منا»

وقال المكيت بن زيدٍ:

على ذاك إجرياي وهي ضريبتيوإن أجلبوا طراً علي وأحلبوا

وقوله:

فقلنا: رضينا ابن هند رضينا

يعني معاوية بن أبي سفيان، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.

وقوله: "أن تدينوا له"، أي أن تطيعوه وتدخلوا في دينه: أي في طاعته:

وقوله:

ومن دون ذلك خرط القتاد

فهذا مثل من أمثال العرب، القتاد: شجيرة شاكة غليظة أصول الشوك، فلذلك يضرب خرطه مثلاً في الأمر الشديد، لأنه غاية الجهد. ومن قال: "يفض الشؤونا"، فيفض يفرق، تقول: فضضت عليه المال. والشؤون، وأحدها شأن، وهي مواصل قبائل الرأس، وذلك أن للرأس أربع قبائل، أي قطع مشعوبٌ بعضها إلى بعض، فموضع شعبها يقال له: الشؤون، واحدها شأنٌ، وزعم الأصمعي قال: يقال إن مجاري الدموع منها، فلذلك يقال استهلت شؤونه، وأنشد قول أوس من حجرٍ:

لا تحزنيني بالفراق فإننيلا تستهل من الفراق شؤوني
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «بكرت أمية غدوة برهين»

ومن قال "يقر العيونا"، ففيه قولان: أحدهما للأصمعي، وكان يقول: لا يجوز غيره، يقال: قرت عينه وأقرها الله، وقال: إنما هو بردت من القر، وهو خلاف قولهم: سخنت عينه وأسخنها الله، وغيره يقول: قرت هدأت، وأقرها الله أهدأها الله، وهذا قول حسن جميل، والأول أغرب وأطرف.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.