من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
تحريض شبل بن عبد الله على بني أمية
ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي، وقد أجلس ثمانين رجلاً من بني أمية على سمط الطعام، فمثل بين يديه، فقال:
أصبح الملك ثابت الآساسبالبهاليل من بني العباس
طلبوا وتر هاشم فشفوهابعد ميل من الزمان وياس
لا تقلين عبد شمس عثاراًواقطعن كل رقلة وأواسي
ذلها أظهر التودد منهاوبها منكم كحز المواسي
ولقد غاظني وغاظ سوائيقربهم من نمارق وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها اللهبدار الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيداًوقتيلاً بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أضحىثاوياً بين غربة وتناسي
نعم شبل الهراش مولاك شبللو نجا من حبائل الإفلاس!
فأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد، وبسطت عليهم البسط، وجلس عليها، ودعا بالطعام، وإنه ليسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعاً وقال لشبل: لولا أنك
خلطت كلامك بالمسألة لأغنمتك جميع أموالهم، ولعقدت لك على جميع موالي بني هاشم.
قوله: الآساس واحدها أس، وتقديرها فعل وأفعال وقد يقال للواحد: أساس، وجمعه أسس.
والبهلول: الضحاك.
وقوله:
بعد ميل من الزمان ويأس
يقال: فيك ميل علينا، وفي الحائط ميل، وكذلك كل منتصب.
وقوله: واقطعن كل رقلة، الرقلة: النخلة الطويلة، ويقال إذا وصف الرجل بالطول: كأنه رقلة.
والأواسي، ياؤه مشددة في الأصل وتخفيفها يجوز، ولو لم يجز في الكلام لجاز في الشعر؛ لأن القافية تقتطعه، وكل مثقل فتخفيفه في القوافي جائز، كقوله:
أصحوت اليوم أم شاقتك هرومن الحب جنون مستعر
وواحدها أسية وهي أصل البناء بمنزلة الأساس.
وقوله: وغاظ سوائي تقول: ما عندي رجل سوى زيد، فتقصر إذا كسرت أوله، فإذا فتحت أوله على هذا المعنى مددت، قال الأعشى:
تجانف عن جو اليمامة، ناقتيوما قصدت من أهلها لسوائكا
والسواء ممدود في كل موضع وإن اختلفت معانيه، فهذا واحد منه، والسواء: الوسط، ومنه قوله ﷿: ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾, وقال
يا ويح أنصار النبي ورهطهبعد المغيب في سواء الملحد
والسواء: العدل والاستواء، ومنه قوله ﷿: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، ومن ذلك: عمرو وزيد سواء، والسواء: التمام، يقال: هذا درهم سواء، وأصله من الأول، وقوله ﷿: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾، معناه تماماً. ومن قرأ: سَواءٍ فإنما وضعه في موضع مستويات.
والنمارق، واحدتها نمرقة، وهي الوسائد، قال الفرزدق:
وإنا لتجري الكأس بين شروبناوبين أبي قابوس فوق النمارق
وقال نصيب:
إذا ما بساط اللهو مد وقربتللذاته أنماطه ونمارقه
وقوله: مصرع الحسين وزيد يعني زيد بن علي بن الحسين، كان قد خرج على هشام بن عبد الملك، وقتله يوسف بن عمر الثقفي وصلبه بالكناسة عرياناً، هو وجماعة من أصحابه.
ويروى الزبيريون أنه كان بين يوسف بن عمر وبين رجل إحنة، فكان يطلب عليه علة، فلما ظفر بزيد بن علي وأصحابه أحسوا بالصلب، فأصلحوا من أبدانهم واستحدوا، فصلبوا عراة، وأخذ يوسف عدوه ذلك، فنحله أنه كان من أصحاب زيد فقتله وصلبه، ولم يكن استحد، لأنه كان عند نفسه آمناً، وكان بالكوفة رجل معتوه عقده التشيع، فكان يجيء فيقف على زيد وأصحابه فيقول: صلى الله عليك يا ابن رسول الله، فقد جاهدت في الله حق جهاده، وأنكرت الجور ودافعت الظالمين؛ ثم يقبل عليهم رجلاً رجلا فيقول: وأنت يا فلان
فجزاك الله خيراً، فقد جاهدت في الله حق جهاده، وأنكرت الجور ونصرت ابن رسول الله ﷺ حتى يقف على عدو يوسف فيقول: فأما أنت يا فلان، فوفور عانتك يدل على أنك بريء مما قرفت به!.
[قال أبو العباس: وقال حبيب بن جدرة - ويقال: ابن جدرة، وهي السلعةالهلالي.
قال الأخفش: الصحيح عندنا ابن خدرة بالخاء وكسرها، وقال المبرد: لم أسمعه إلا جَدَرَةَ ويقال: جُدرةَ].
وهو من الخوارج، يعني زيد بن علي:
يابا حسين لو شراة عصابةصحبوك كان لوردهم إصدار
يابا حسين والجديد إلى بلىأولاد درزة أسلموك وطاروا
تقول العرب للسفلة والسقاط: أولاد درزة، وتقول لمن تسبه: ابن فرتنى، وأولاد فرتنى. وتقول للصوص: بنو غبراء، وفي هذا الباب.
ويروى أن شاعراً لبني أمية قال معارضاً للشيع في تسميتهم زيداً المهدي [والشاعر هو الأعور الكلبي]:
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلةولم نر مهدياً على الجذع يصلب
ونظر بعد زمين إلى رأس زيد ملقى في دار يوسف وديك ينقره، فقال قائل من الشيعة:
اطردوا الديك عن ذؤابة زيدطالما ما كان لا تطاه الدجاج
وقوله:
وقتيلاً بجانب المهراس
يعني حمزة بن عبد المطلب، والمهراس ماء بأحد، ويروى في الحديث أن رسول الله صلى الله علية وسلم عطش يوم أحد، فجاءه علي في درقة بماء من المهراس فعافه فغسل به الدم عن وجهه.
وقال ابن الزبعري في يوم أحد:
ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل
فاسأل المهراس من ساكنهبعد أبدان وهام كالحجل
وإنما نسب شبل قتل حمزة إلى بني أمية؛ لأن أبا سفيان بن حرب كان قائد الناس يوم أحد.
والقتيل الذي بحران هو إبراهيم بن محمد بن علي، وهو الذي يقال له الإمام.
وكان يقال: ضحى بنو حرب بالدين يوم كربلاء، وضحى بنو مروان بالمروءة يوم العقر؛ فيوم كربلاء يوم الحسين بن علي بن أبي طالب وأصحابه، ويوم النقر يوم قتل يزيد بن المهلب وأصحابه.
وإنما ذكرنا هذا لتقدم في إكرام مواليها.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع