من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
خبر عامر بن الطفيل وأربد أخي لبيد
وشبيه بهذا قول لبيد في أخيه أربد، لما أصابته الصاعقة وأصابت عامراً الغدة بدعوة رسول الله ﷺ، وكان عامر قد قدم إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه أربد، فقال لأربد: أنا أشغله لك واضربه أنت بالسيف من ورائه، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام على أن يجعل له أعنة الخيل، فقال عامر: ومن يمنعها مني اليوم! ولكن إن شئت ذلك المدر ولي الوبر، أو لي المدر ولك الوبر. فأعرض عنه رسول الله ﷺ، فقال: فاجعل لي هذا الأمر بعدك، فأعلمه النبي أن ذلك ليس بكائن، قال: فأبشر بخيل أولها عندك وآخرها عندي، فقال رسول الله ﷺ: "يأبى الله ذلك وابنا قيلة" يعني الأوس والخزرج.
ويروى أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، علام يسحب هذا الأعرابي لسانه عليك! دعني أقتله.
ويروى أن عامراً قال للنبي ﵇: لأغزونك على ألف أشقر وألف شقراء، فلما قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم اكفنيهما". وتروي قيس أنه قال:
"اللهم إن لم تهد عامراً فاكفنيه". وقال عامر لأربد: قد شغلته عنك مراراً فألا ضربته! قال: أربد: أردت ذلك مرتين فاعترض لي في إحداهما حائط من حديد، ثم رأيتك الثانية بيني وبينه، أفأقتلك! فلم يصل واحد منهما إلى منزله، أما عامر فغد في ديار بني سلول بن صعصة، فجعل يقول: أغدة كغدة البعير وموتاً في بيت سلولية! وأما أربد فارتفعت له سحابة فرمته بصاعقة فأحرقته، وكان أخا لبيد لأمه، فقال يرثيه:
أحشى على أربد الحتوف ولاأرهب نوء السماك والأسد
ما إن تعري المنون من أحدلا والد مشفق ولا ولد
فجعني الرعد والصواعق بالقارس يوم الكريهة النجد
يا عين هلا بكيت أربد إذقمنا وقام العدو في كبد
وقال أيضاً:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتحدثون مخانة وملاذةويعاب قائلهم وإن لم يشغب
يا أربد الخير الكريم جدودهغادرتني أمشي بقرن أعضب
إن الرزيئة لا رزيئة مثلهافقدان كل أخ كضوء الكوكب
قوله: في خلف يقال: هو خلف فلان لمن يخلفه من رهطه، وهؤلاء خلف فلان؛ إذا قاموا مقامه من غير أهله، وقلما يستعمل خلف إلا في الشر، وأصله ما ذكرنا. والمخانة: مصدر من الخيانة. والملوذ: الذي لا يصدق في مودته، يقال: رجل ملوذ وملذان، وملاذة مصدره. والأعضب: المقطوع. وفي الحديث: "لا يضحى بعضباء".
ويروى أن رجلاً قال لمعن بن زائدة في مرضه: لولا ما من الله به من بقائك، لكنا كما قال لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجر
فقال له معن: إنما تذكر أني سدت حين ذهب الناس؛ هلا قلت كما قال نهار بن توسعة:
قلدته عرى الأمور نزارقبل أن تهلك السراة البحور
ثم نرجع إلى ذكر المراثي:
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع