من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
من مراثي الآباء والإخوة والأبناء
فقد قال أبو خراش الهذلي، وهو أحد حكماء العرب، يذكر أخاه عروة بن مرة:
تقول أراه بعد عروة لاهياًوذلك رزء لو علمت جليل
فلا تحسبي أني تناسيت عهدهولكن صبري يا أميم جميل
وقال عمرو بن معدي كرب:
كم من أخ لي حازمبوأته بيدي لحدا
أعرضت عن تذكارهوخلقت يوم خلقت جلدا
وكان يقال: من حدث نفسه بالبقاء، ولم يوطنها على المصائب فعاجز الرأي.
وعزى رجل رجلاً عن ابنه فقال: أكان يغيب عنك? قال: كانت غيبته أكثر من حضوره، قال: فأنزله غائباً عنك، فإنه إن لم يقدم عليك قدمت عليه.
وقال إبراهيم بن المهدي يذكر ابنه:
وإني وإن قدمت قبلي لعالمبأني وإن أبطأت عنك قريب
وإن صباحاً نلتقي في مسائهصباح إلى قلبي الغداة خبيب
وكفى باليأس معزياً، وبانقطاع الطمع زاجراً! كما قال الشاعر:
أيا عمرو لم أصبر ولي فيك حيلةولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر
تصبرت مغلوباً وإني لموجعكما صبر العطشان في البلد القفر
وقال بعض المحدثين وليس بناقصه حظه من الصواب أنه محدث، يقوله لرجل رثاه [قال أبو الحسن: وهو أبو تمام]:
عجبت لصبري بعده وهو ميتوقد كنت أبكيه دماً وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلهاعجائب حتى ليس فيها عجائب
وحدثت أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه عبد الملك خطب الناس فقال: الحمد لله الذي جعل الموت حتماً واجباً على عباده، فسوى فيه بين ضعيفهم وقويهم، ورفيعهم ودنيهم، فقال ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فليعلم ذوو النهي منهم أنهم صائرون إلى قبورهم، مفردون بأعمالهم. واعلموا أن لله
مسألة فاحصة، قال ﷿: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وله يقول القائل:
تعز أمير المؤمنين فإنهلما قد ترى يغذي الصغير ويولد
هل ابنك إلا من سلالة آدملكل على حوض المنية مورد
وقال رجل من قريش يرثي ابنه [قال أبو الحسن: هو العتبي]:
بأبي وأمي من عبأت حنوطهبيدي وودعني بماء شبابه
كيف السلو وكيف صبري بعدهوإذا دعيت فإنما أكنى به!
وقال ابن لعمر بن عبد العزيز يرثي عاصم بن عمر:
فإن يك حزن أو تجزع غصةأماراً نجيعاً من دم الجوف منقعا
تجرعته في عاصم واحتسيتهلأعظم منه ما احتس وتجرعا
وقال أبو سعيد إسحاق بن خلف يرثي ابنة أخته، وكان تبناها، وكان حدباً عليها كلفاً بها:
أمست أميمة معموراً بها الرجملقى صعيد عليها الترب مرتكم
يا شقة النفس إن النفس والهةحرى عليك ودمع العين منسجم
قد كنت أخشى عليها أن تقدمنيإلى الحمام فيبدي وجهها العدم
فالآن نمت فلا هم يؤرقنييهدا الغيور إذا ما أودت الحرم
للموت عند أياد لست أنكرهاأحيا سروراً وبي مما أتى ألم
وهذا المرثية ليست مما تقع مع الجزع القراح والحزن المفرط، ولكنه باب للمراثي يجمع إفراط الجزع، وحسن الاقتصاد، والميل إلى التشكي، والركون إلى التعزي، وقول من كان له واعظ من نفسه، أو مذكر من ربه، ومن غلبت عليه الجساوة، وكان طبعه إلى القساوة، فقد اختلط كل بكل.
وقال رجل من المحدثين يرثي أباه:
تحل رزيات وتعرو مصائبولا مثل ما أنحت علينا يد الدهر
لقد عركتنا للزمان ملمةأذمت بمحمود الجلادة والصبر
فهذا يحسن من قائله أن الرزء كان جليلاً بإجماع، فللقائل أن يتفسح في القول فيه.
وهذا يقوله عبد العزيز بن عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. وكان عبد الرحيم من جلة أهله لسناً ونعمة وسناً وولاية، ومات معزولاً عن اليمن في حبس الخليفة. وأم جعفر بن سليمان أم حسن بنت جعفر بن حسن بن علي بن أبي طالب، صلوات الله عليهم. فلذلك يقول عبد العزيز في هذه القصيدة:
بموتك يا عبد الرحيم بن جعفرتفاحش صدع الدين عن ألأم الكسر
فيا ابن النبي المصطفى وابن بنتهويا ابن علي والفواطم والحبر
ويا ابن اختيار الله من آل آدمأباً فأباً طهراً يؤدي إلى طهر
ويا ابن سليمان الذي كان ملجألمن ضاقت الدنيا به من بني فهر
ومن ملأ الدنيا سماحاً ونائلاًوروى حجيجاً بالملمعة القفر
لعز بما قد نالنا من رزيئةبموتك محبوساً على صاحب القبر
فإن تضح في حبس الخليفة ثاوياًأبياً لما يعطي الذليل على القشر
لكم من عدو للخليفة قد هوىبكفك أو أعطى المقادة عن صغر
فوا حزناً! لو في الوغى كان موتهبكينا عليه بالردينية السمر
وكنا وقيناه القنا بنحورناوفات كذا في غير هيج ولا نفر
وحدثت أن عمر بن الخطاب لما ولى كعب بن سور الأزدي قضاء البصرة، أقام عاملاً له عليها إلى أن استشهد، على أنه كان قد عزله ثم رده، فلما قام عثمان بن عفان أقره، فلما كان يوم الجمل خرج مع إخوة له - قالوا ثلاثة، وقالوا أربعة - وفي عنقه مصحف، فقتلوا جميعاً، فجاءت أمهم حتى وقفت عليهم، فقالت:
يا عين جودي بدمع سربعلى فتية من خيار العرب
وما لهم غير حين النفوس أي أميري قريش غلب!
هذه الرواية سرب وقالوا معناه: جار في طريقه، من قولهم: انسرب في حاجته. وبيت ذي الرمة يختار فيه الفتح:
كأنه من كلى مفرية سرب
لأنه اسم، والأول المكسور نعت، ويقبح وضع النعت موضع المنعوت غير المخصوص.
[قال أبو الحسن: حق النعت أن يأتي بعد المنعوت، ولا يقع في موقعه حتى يدل عليه فيكون خاصاً له دون غيره، تقول: جاءني إنسان طويل، فإن قلت: جاءني طويل لم يجز؛ لأن طويلاً أعم من قولك: إنسان، فلا بدل عليه. فإن قلت: جاءني إنسان متكلم، ثم قلت بعد: جاءني متكلم جاز؛ لأنك تدل به على الإنسان، فهذا شرح قوله: المخصوص].
وقولها: غير حين النفوس نصب على الاستثناء الخارج من أول الكلام، وقد ذكرناه مشروحاً.
والمراثي كثيرة كما وصفنا، وإنما نكتب منها المختار والنادر والمتمثل به السائر.
فمن مليح ما قيل قول رجل يرثي أباه:
[قال أبو الحسن: يقال إنه لأبي العتاهية]
قلب يا قلب أوجعكما تعدى فضعضعك
يا أبي ضمك الثرىوطوى الموت أجمعك
ليتني يوم مت صرتإلى حفرة معك
رحم الله مصرعكبرد الله مضجعك
وقال إبراهيم بن المهدي يرثي ابنه، وكان مات بالبصرة:
نأى آخر الأيام عنك حبيبفللعين سح دائم وغروب
دعته نوى لا يرتجي أوبة لهافقلبك مسلوب وأنت كئيب
يؤوب إلى أوطانه كل غائبوأحمد في الغياب ليس يؤوب
تبدل داراً غير داري وجيرةسواي، وأحداث الزمان تنوب
أقام بها مستوطناً غير أنهعلى طول أيام المقام غريب
كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضحىسقاه الندى فاهتز وهو رطيب
كأن لم يكن كالدر يلمع نورهبأصدافه لما تشنه ثقوب
كأن لم يكن زين الفناء ومعقل النساء إذا يوم يكون عصيب
وريحان صدري كان حين أشمهومؤنس قصري كان حين أغيب
وكانت يدي ملأى به ثم أصبحتبحمد إلهي وهي منه سليب
قليلاً من الأيام لم يرو ناظريبها منه حتى أغلقته شعوب
كظل سحاب لم يقم غير ساعةإلى أن أطاحته فطاح جنوب
أو الشمس لما من غمام تحسرتمساء وقد ولت وحان غروب
سأبكيك ما أبقت دموعي والبكابعيني ماء يا بني يجيب
وما غار نجم أو تغنت حمامةأو اخضر في فرع الأراك قضيب
حياتي ما دامت حياتي فإن أمتثويت وفي قلبي عليك ندوب
وأضمر إن أنفدت دمعي لوعةعليك لها تحت الضلوع وجيب
دعوت أطباء العراق فلم يصبدواءك منهم في البلاد طبيب
ولم يملك الآسون دفعأً لمهجةعليها لأشراك المنون رقيب
قصمت جناحي بعد ما هد منكبيأخوك، فرأسي قد علاه مشيب
فأصبحت في الهلاك إلا حشاشةتذاب بنار الحزن فهي تذوب
توليتما في حقبة فتركتماصدى يتولى تارة ويثوب
فلا ميت إلا دون رزئك رزؤهولو فتتت حزناً عليه قلوب
وإني وإن قدمت قبلي لعالمبأني وإن أبطأت منك قريب
وإن صباحاً نلتقي في مسائهصباح إلى قلبي الغداة حبيب
وقال أبو عبد الرحمن العتبي، وتتابع له بنون:
كل لساني عن وصف ما أجدوذقت ثكلا ما ذاقه أحد
وأوطنت حرقة حشاي فقدذاب عليها الفؤاد والكبد
ما عالج الحزن والحرارة فيالأحشاء من لم يمت له ولد
فجعت باثنين ليس بينهماإلا ليال ليست لها عدد
فكل حزن يبلى على قدم الدهر وحزني يجده الأبد
وذكر بعض الرواة أن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وكان عاملاً لعلي بن أبي طالب على اليمن، فشخص إلى علي، واستخلف على اليمن عمرو بن أركة الثقفي، فوجه معاوية إلى اليمن ونواحيها بسر بن أرطاة، أحد بني عامر ابن لؤي، فقتل عمرو بن أراكة، فجزع عليه عبد الله أخوه جزعاً شديداً، فقال أبوه:
لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضىبه الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشؤون بأسرهولو كنت تمهرين من ثبج البحر
لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارساًبصنعاء كالليث الهزبر أبي أجر
وقلت لعبد الله إذ حن باكياًتعز، وماء العين منهمر يجري
تبين فإن كان البكار رد هالكاعلى أهله فاشدد بكابك على عمرو
ولاتبك ميتاً بعد ميت أجنهعلي وعباس وآل أبي بكر
قوله: من ثبج البحر فثبج كل شيء وسطه، ويروى في الحديث: كنت إذا ُفاتحت الزهري فتحت منه ثبج البحر. وقوله: تمريهن هو مثل، يقال: "مريت الناقة" إذا مسحت ضرعها لتدر، فإنما هو استخراج اللبن، ويقال: "مريت برجلي الأرض"، إذا مسحتها، والأصل ذلك، فإنما أراد: ولو كنت تستخرج الدموع من ثبج البحر.
وكان بسر بن أرطاة ي تلك الحروب أرشد على ابنين لعبيد الله بن العباس ابن عبد المطلب، هما، طفلان أمهما من بني الحارث بن كعب، فوارتهما الحارثية، فيقال إنه أخذهما من تحت ذيلها فقتلهما، ففي ذلك تقول الحارثية:
ألا من بين الأخوينأمهما هي الثكلى
تسائل من رأى ابنيهاوتستبغي فما تبغى
وفي ذلك تقول أيضاً:
يا من أحسن بنيي اللذين هماكالدرتين تشظى عنهما الصدف
يا من أحس بنيي اللذين هماسمعي وطرفي فطرفي اليوم مختطف
يا من أحس بنيي اللذين همامخ العظام فمخي اليوم مزدهف
نبئت بسراً، وما صدقت ما زعموامن قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجي طفلي مرهفةمشحوذة، وعظيم الإفك يقترف
من دل والهة حرى مفجعةعلى صبيين غابا إذ مضى السلف
ويرى أن معاوية لما أتاه موت عتبة تمثل:
إذا سار من خلف امرئ وأمامهوأوحش من أصحابه فهو سائر
فلما أتاه موت زياد تمثل:
وأفردت سهماً في الكنانة واحداًسيرمي به أو يكسر السهم كاسر
وماتت امرأة للفرزدق بِجُمع ومعنى جمع ولدها في بطنها وإن شئت قلت: جِمعٌ يا فتى، فقال الفرزدق:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنحعليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظةلو أن المنايا أنسأته لياليا!
وهذا من البغي في الحكم والتقدم.
وقال رجل من المحدثين في ابنين لعبد الله بن طاهر أصيبا في يوم واحد وهما طفلان شبيهاً بهذا، ولكنه اعتذر فحسن قوله وصح معناه باعتذاره، وهو الطائي:
لهفي على تلك الشواهد فيهمالو أمهلت حتى تكون شمائلا
إن الهلال إذا رأيت نموهأيقنت أن سيكون بدراً كاملاً
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع