من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
الأوس بن حجر يرثي فضالة بن شريك
ومن أقدم ما قيل في هذا المعنى قول أوس بن حجر الأسيدي، من بني أسيد بن عمرو بن تميم، يرثي فضالة بن كلدة، أحد بني أسد بن خزيمة:
أيتها النفس أجملي جزعاإن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحــة والنجدة والحزم والقوى جمعا
أودى فما تنفع الإشاحة منشيء لمن قد يحاول [البدعا]
الألمعي الذي يظن بك الظنكأن قد رأى وقد سمعا
المخلف المتلف المرزأ لميمتع بضعف ولم يمت طبعا
والحافظ الناس في تحوط إذالم يرسلوا خلف عاتئذ ربعا
وعزت الشمأل الرياح وقدأمس كميع الفتاة ملتفعا
وشبه الهيدب العبام منالأقوام سقباً ملبساً فرعا
وكانت الكاعب الممنعةالحسناء في زاد أهلها سبعا
ليبكك الشرب والمدامة والفتيانطراً وطامع طمعا
وذات هدم عار نواشرهاتصمت بالماء تولباً جدعا
وفيها زيادة. لكنا اخترنا.
قوله: الألمعي: الحديد اللسان والقلب، وقد أبانه بقوله: الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا.
وقوله المخلف المتلف أراد أنه يتلف ماله كرماً ويخلفه نجدة، كما قال:
ناقته ترقل في النقالمتلف مال ومفيد مال
وقال آخر:
فاتلف ذاك متلاف كسوب
والمرزأ: الذي تناله الرزيئات في ماله لما يعطي ويسأل. والإمتاع: الإقامة، فيقول: لم يقم وهو ضعيف.
والطبع: أسوأ الطمع، وأصله أن القلب يعتاد الخلة الدنيئة فتركبه كالحائل بينه وبين الفهم لقبح ما يظهر منه، وهذا مثل وأصله في السيف وما أشبه، يقال: طبع السيف، إذا ركبه صدأ يستر حديده و ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ من ذا.
وتحوط وقحوط: اسمان للسنة الجدبة، كما يقال: حجرة وكحل.
وقوله:
لم يرسلوا خلف عائذ ربعا
فالعائذ الحديثة النتاج، والربع: الذي ينتج في الربيع، ومن شأنهم في سنة الجدب أن ينحروا الفصال، لئلا ترضع فتضر بالأمهات.
وقوله: وعزت الشمأل الرياح يقول: غلبتها، وتلك علامة الجدب
وذهاب الأمطار، ومن ذلك قولهم: من عز بز أي من غلب استلب، وفي القرآن: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، أي غلبني في المخاطبة.
وقوله: وقد أمسى كميع الفتاة فالكميع الضجيع، وهو الكمع، قال الشاعر:
ومشحوذ الغرار يبيت كمعي
يعني السيف، أي يبيت مضاجعي.
ملتفعاً، يقال: تلفع في مطرفه وفي كسائه، إذا تلفف وتزمل فيه، فيقول: من شدة الصر يلتفع به دون ضجيعه.
والكاعب: التي كعب ثديها، يقول: تصير كالسبع في زاد أهلها بعد أن كانت تعاف طيب الطعام.
وقوله: وذات هدم، يعني امرأة ضعيفة، والهدم: الكساء الخلق الرث. وقوله: عار نواشرها، النواشر: عروق الساعد. والتولب: الصغير. والجدع: السيئ الغذاء، وهو الجحن والقتين.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع