تجاوز إلى المحتوى

من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ)

حرف الْجِيم (٢)

الصفحة ٢ من ٢

أَمر المطاوعة جدا كثير التفقد للمحابيس والكشف عَنْهُم والاحسان إِلَى الْأَيْتَام بِحَيْثُ أَنه كَانَ يُرْسل من يحضرهم لَهُ فيمسح رُءُوسهم)

وَيُعْطِي كل وَاحِد مِنْهُم دِينَارا، مائلا لتجديد القناطر والجوامع وَنَحْوهَا من الْمصَالح الْعَامَّة كقناطر بني منجا وقنطرة بَاب الْبَحْر وقناطر تبري الدمسيس وقناطر أَمِين الدّين اللاهون وقناطر الرستن بَين حمص وحماة وَالْجَامِع الْمُعَلق المجاور لكنيسة الملكيين الَّتِي هدمها دَاخل قصر الشمع وَالْمَسْجِد الَّذِي بخان الخليلي وَعمل فِيهِ درسا للشَّافِعِيَّة وَآخر للحنفية وَغير ذَلِك وجامع الظَّاهِر حَيْثُ لم شعثه بالبياض والبلاط وَنَحْو ذَلِك وجامع الْحَاكِم حَيْثُ أَزَال من بعض أروقته مَا كَانَ بِهِ من الاتربة المهولة وسقفته بعد تعطيله دهرا مَعَ تبليط الْجَامِع وحدد مِنْبَر مدرسة أستاذه البرقوقية، وَأَنْشَأَ رصيفا هائلا ببولاق انتهاؤه عِنْد السبكية وجسرا لأسيوط من الْجَبَل إِلَى الْبَحْر وَفِيه قناطر أَيْضا وسورا لخانقاه سرياقوس لم يتم وَقرر لأهل الْحَرَمَيْنِ دشيشة للْفُقَرَاء فِي كل يَوْم ولكثير مِنْهُم رواتب الذَّخِيرَة كل سنة تحمل اليهم من مائَة دِينَار إِلَى عشرَة أَو أَكثر من ذَلِك وَقِرَاءَة البُخَارِيّ بِمَكَّة وَمَا يفوق الْوَصْف مِمَّا كثر الدُّعَاء لَهُ بِسَبَبِهِ وَكَانَ يرى أَن إصْلَاح مَا يشرف على الْهدم أولى من الابتكار وَلذَا لم يبتكر مدرسة بل وَلَا تربة وهادن مُلُوك الْأَطْرَاف وهاداهم وتودد اليهم ولكثير من التركمان حَتَّى بالتزوج مِنْهُم وَكَانَ يُبْدِي مقْصده فِي ذَلِك بقوله كل مَا أَفعلهُ مَعَهم لَا يَفِي بنعل الْخَيل أَن لَو احْتِيجَ إِلَى الْمسير اليهم، وأثكل ولدا لَهُ من نَوَادِر أَبنَاء جنسه فَصَبر واحتسب كل ذَلِك والأقدار تساعده والسعد يعاضده بِحَيْثُ أَنه لم يجرد فِي مدَّته إِلَى الْبِلَاد الشامية وَلَا أرسل تجريدة مُطلقًا سوى مرّة وَاحِدَة وَهِي نوبَة الجكمي أول سلطنته مَعَ حِدة تعتريه وَسُرْعَة بَطش وبادرة مفرطة رُبمَا تُؤدِّي إِلَى مَا لَا يَلِيق بِهِ من ادخال غير وَاحِد من الاعيان حبس أولى الجرائم وَغَيره من الحبوس وضربه لآخرين ونفيه لغَيرهم بِحَيْثُ وَصفه بعض من أَشرت إِلَيْهِ مِمَّن سجنه بقوله: إِنَّه حج فِي حُدُود سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَجَرت لَهُ مَعَ صَاحب الْحجاز قَضِيَّة حقدها عَلَيْهِ فقابله عَلَيْهَا بعد تمكنه، قَالَ وَقد كَانَ أحقد النَّاس وأسوءهم انتقاما لم يكن لَهُ دأب إِلَّا أَن عَاجل كل من كَانَ أغضبهُ يَوْمًا مَا انْتهى وَوَصفه بالحقد الزَّائِد غير صَحِيح وَكم مِمَّن مَسّه مِنْهُ مَكْرُوه مَعَ كَونه من خواصه وأحبابه وَمِمَّنْ لم يبغضه قطّ وَمَا كَانَ ينقم عَلَيْهِ الا أَنه بِمُجَرَّد سَمَاعه عَن أحد مَا يُنكره قابله عَلَيْهِ بِدُونِ تفحص وَلَا تثبت وليت هَذَا الواصف اقْتصر على هَذَا بل أفحش فِي حَقه بِمَا لَا يقبل من مثله جَريا على عَادَته وعَلى كل حَال فالكمال

لله، وَمِمَّا يعاب بِهِ أَيْضا انه كَانَ ينْفد مَا يتَحَصَّل فِي يَدَيْهِ مَعَ كثرته جدا أَولا فأولا حَتَّى انه لم يدع فِي الخزانة مَا)

لَا بل وَلم يتْرك من الزردخاناه والشوب والاسطبلات السُّلْطَانِيَّة الا الرّبع مِمَّا خَلفه الْمُلُوك قبله أَو أقل والاعمال بِالنِّيَّاتِ، وَقد ذكره شَيخنَا مَعَ كَونه مِمَّن ألفته الحساد فِي أثْنَاء أمره عَنهُ وناله مِنْهُ مَا يخْشَى عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ فِي تَرْجَمَة الظَّاهِر من نزهة الْأَلْبَاب فِي الألقاب لَهُ فَقَالَ وَآخرهمْ يَعْنِي مِمَّن يلقب بِالظَّاهِرِ سُلْطَان الْعَصْر الْملك الظَّاهِر جقمق فاق مُلُوك عصره بِالْعلمِ وَالدّين والعفة والجود أمتع الله الْمُسلمين بِبَقَائِهِ. قلت وَقد اجْتمعت بِهِ مرَارًا وَأهْديت إِلَيْهِ بعد وَفَاة شَيخنَا بعض التصانيف وأنعم هُوَ عَليّ بِمَا ألهمه الله بِهِ وَصَارَ يكثر من الترحم على شَيخنَا والتأسف على فَقده بل سَمَّاهُ امير الْمُؤمنِينَ، وَهُوَ مِمَّن اِسْعَدْ فِي مماليكه بِحَيْثُ أضيفت المملكة الْعُظْمَى لغير وَاحِد مِنْهُم فضلا عَمَّن دونهَا، وَلم يزل على ملكه إِلَى أَن ابْتَدَأَ بِهِ الْمَرَض وَصَارَ يظْهر الْجلد وَلَا يمْتَنع من الْكِتَابَة وَالْحكم حَتَّى غلب عَلَيْهِ الْحَال وَعجز فَانْحَطَّ وَلزِمَ الْفراش نَحْو شهر ثمَّ مَاتَ وَقد زَاد على الثَّمَانِينَ وَذَلِكَ بَين الْمغرب وَالْعشَاء من لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثَالِث صفر سنة سبع وَخمسين فَمَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَة والقراء حوله إِلَى أَن جهز من الْغَد وَصلى عَلَيْهِ بمصلى بَاب الْقلَّة وَحضر وَلَده الْمَنْصُور الصَّلَاة عَلَيْهِ وَكَذَا الْخَلِيفَة وَهُوَ الَّذِي تقدم للصَّلَاة عَلَيْهِ بِالْجَمَاعَة وَكَانَ يَوْمًا مشهودا لم تَرَ جَنَازَة لملك كجنازته فِي عدم الغوغاء وَكَثْرَة الْأنس والخفر وَدفن بتربة قانباي الجركسي أميراخور كَانَ الَّتِي جددها وأنشأها عِنْد دَار الضِّيَافَة بِالْقربِ من القلعة، وَحكى لي بعض الْخِيَار بعد دهر أَنه رَآهُ بعد مَوته وَكَأَنَّهُ فِي قصر مُرْتَفع وَمَعَهُ جمَاعَة مِنْهُم وَالِده وَالشَّيْخ أَبُو الْجُود وَأَنه سَأَلَهُ عَمَّا فعل الله بِهِ فَقَالَ لَهُ وَالله لقد أَعْطَانَا الْملك من قبل أَن نرد عَلَيْهِ قَالَ الرَّائِي فَقلت فِي نَفسِي هَذَا مُحْتَمل لارادة الْملك الدنيوي وَهُوَ قد أعْطِيه وَأَرَدْت تَحْقِيق الْأَمر فَقلت لَهُ مَا الْملك الَّذِي أعطاكه قَالَ الْجنَّة ثمَّ قَالَ وَجَاء جمَاعَة بَعدنَا لَيْسَ لَهُم فِيهَا وَقت وَلَا مَكَان ﵀ وإيانا.

جقمق سيف الدّين من أَبنَاء التركمان وَلكنه اتّفق مَعَ بعض التُّجَّار أَن يَبِيعهُ وَيقسم ثمنه بَينهمَا فَفعل وَلذَا كَانَ يتَكَلَّم بالعربي بِحَيْثُ لَا يشك من جالسه أَنه من بنى الاحرار، وَسمي بَعضهم وَالِده عبد الله وَهُوَ اسْم لمن لَا يعلم اسْمه غَالِبا. تنقل فِي الخدم حَتَّى تقرر دوادارا ثَانِيًا للمؤيد قبل تملكه ثمَّ اسْتمرّ بل عمله دوادارا كَبِيرا ثمَّ ولاه دمشق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين ثمَّ بعد مَوته أظهر الْعِصْيَان وَآل أمره إِلَى أَن أمْسكهُ ططر بقلعة دمشق وعصره وَأخذ مِنْهُ مَالا ثمَّ

أَمر بقتْله فَقتل صبرا فِي الْعشْر الاخير من شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَدفن بمدرسته الَّتِي أَنْشَأَهَا)

بِالْقربِ من شمَالي الْجَامِع الاعظم بِحَضْرَة الخانقاه السميساطية وَكَانَ عَارِفًا شَدِيدا فِي دواداريته على النَّاس. ذكره ابْن خطيب الناصرية وَشَيخنَا فِي أنبائه.

جقمق الأرغون شاوي الدوادار. ولي نِيَابَة دمشق وابتنى فِيهَا فِي جوَار الْجَامِع الاموي مدرسة تعرف بالجقمقية ثمَّ خرج بهَا عَن طَاعَة الْمُؤَيد وَجرى لَهُ مَا جرى. قلت وَهُوَ الَّذِي قبله.

جقمق المحمدي الاشرفي برسباي. أحد الخاصكية صاهر الْأمين الاقصرائي على ابْنَته زَيْنَب بعد زَوجهَا جَانِبك. وَمَاتَتْ مَعَه وتهذب بصهره وَصَارَت لَهُ وجاهة وَحفظ الْقُرْآن جيدا وَخَلفه فِي إِنْزَال أهل الْحَرَمَيْنِ وإكرامهم فِي الْجُمْلَة وَاسْتقر بِهِ السُّلْطَان حِين سفر الْعَسْكَر فِي أَوَاخِر ربيع الثَّانِي سنة خمس وَتِسْعين رَأس نوبَة السلحدارية ثمَّ أذن لَهُ فِي التَّكَلُّم عَن الدوادار الثَّانِي شَاذ بك حِين بلغه عَن الْمُتَكَلّم مَا لَا يُعجبهُ، ومولده سنة خمس وَعشْرين تَقْرِيبًا، وَحج غير مرّة وجاور وسافر فِي عدَّة تجاريد، وزار بَيت الْمُقَدّس والخليل. وَنعم الرجل.

جقمق المؤيدي الدوادار نَائِب الشَّام. مضى قَرِيبا.

جكم قرا بجيم وكاف كقمر العلائي الظَّاهِرِيّ جقمق وَيعرف بأميراخور الْجمال. ترقى بعد أستاذه اليها ودام على ذَلِك مُدَّة إِلَى أَن تسلطن الظَّاهِر بلباي فَأمره عشرَة ثمَّ ولاه الاشرف قايتباي كشف الجسور والشرقية بعناية الدوادار الْكَبِير فانه كَانَ مِمَّن تقرب مِنْهُ جدا ولازم خدمته وَالرُّكُوب مَعَه حَتَّى عرف بِهِ وصيره بعد عَليّ كثير من تعلقاته بل جعله نَائِبا عَنهُ بالمؤيدية وَغَيرهَا حِين خرج فِي التجريدة الَّتِي تلف فِيهَا، ثمَّ ولي نِيَابَة اسكندرية بعد اينال الاشرفي قايتباي حِين انْتِقَاله مِنْهَا إِلَى طرابلس، وَتوجه اليها فَلم تطب لَهُ وتوعك بهَا مُدَّة فراسل وَحضر بعد الاسْتِئْذَان إِلَى الْقَاهِرَة ليتداوى فَلم يلبث أَن مَاتَ فِي الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَدفن بتربته الَّتِي بناها عِنْد بَاب مقَام الشَّافِعِي. وَكَانَ ذَا همة عالية ورغبة فِي لِقَاء الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ مِمَّن يتَرَدَّد إِلَيْهِ الْفَخر الديمي حَتَّى كَانَ يقْرَأ هُوَ وَغَيره عِنْده، وَكَذَا كَانَ غَيره من عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة يتَرَدَّد إِلَيْهِ للأخذ عَنهُ وَكَثِيرًا مَا كَانَ يحضر دروس التقي الحصني لمجاورته لَهُ، وَيجمع الْكتب العلمية ويقتنيها وَيظْهر التفقه والتدين وَلما مَاتَ التقي دَفنه بتربته وساعد وَلَده، وزارني غير مرّة وَأظْهر همة فِي التَّكَلُّم مَعَ تمراز وَغَيره فِي الصرغتمشية، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن أتراك وقته ﵀ وايانا وَاسْتقر بعده فِي نِيَابَة اسكندرية بعد أشهر عليبدي المحمدي

الأشرفي قايتباي نقلا لَهُ من نِيَابَة سيس.)

جكم أَبُو الْفرج الظَّاهِرِيّ برقوق، أمره أستاذه طبلخاناه فِي سنة مَوته ثمَّ اسْتَقر بعده خَامِس ذِي الْقعدَة سنة احدى رَأس نوبَة بل قيل إِنَّه لم يتأمر فِي أَيَّام استاذه وَأول مَا شهر أمره فِي تَاسِع الشَّهْر الْمَذْكُور نعم ركب على الدوادار يشبك بِالْقَاهِرَةِ فَكَانَت النُّصْرَة لَهُ فاستقر فِي الدوادارية عوضه وَأظْهر الْعدْل ثمَّ اعتقل بقلعة الْمركب ثمَّ نقل إِلَى حلب فحبس بدار الْعدْل ثمَّ إِلَى غَيرهَا ثمَّ أطلق وَآل امْرَهْ إِلَى ان ملك حلب وَأقَام فِيهَا أَيَّامًا ثمَّ اتّفق هُوَ وَجَمَاعَة من الامراء على الْعِصْيَان ووصلوا إِلَى الصالحية فَخرج النَّاصِر وَكَانَت الكسرة على عسكره وَرجع هَارِبا ثمَّ كرّ عَلَيْهِم الْعَسْكَر الْمصْرِيّ ثَانِيًا فَكَانَت النُّصْرَة لَهُم وَآل أَمر جكم إِلَى أَن أَخذ هُوَ وَشَيخ دمشق ودخلاها واستمرا بهَا مُدَّة ثمَّ اخذا أَيْضا حماة وَفِي اثناء ذَلِك ظهر النَّاصِر فرج وتسلطن فَجهز تَقْلِيد شيخ بنيابة دمشق وجكم بحلب ثمَّ أضيف إِلَيْهِ نِيَابَة الرها وَملك عدَّة قلاع كَانَ نعير أَمِير الْعَرَب قد استولى عَلَيْهَا ومزق التركمان كل ممزق وَحصل بحلب وبالرها الْعدْل والامان وَقطع الْخطْبَة للناصر، وخطب وَضربت السِّكَّة باسمه ولقب بالعادل ثمَّ أظهر الدعْوَة وَصرح بخلع النَّاصِر وَتوجه نَحْو آمد لقِتَال قرايلوك فَقتل فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع، وَكَانَ مهابا شجاعا مقداما مُدبرا لَهُ حُرْمَة ومهابة ممدحا مائلا لمجالسة الْعلمَاء ومذاكرتهم مصغيا لنظم الشّعْر محبا لسماعه بل ويجيز عَلَيْهِ الجوائز السّنيَّة يتحَرَّى الْعدْل وَيُحب الانصاف لَا يتَمَكَّن أحد مَعَه من الْفساد، طول ابْن خطيب الناصرية ثمَّ شَيخنَا تَرْجَمته وَكَذَا المقريزي فِي عقوده.

النص من طبعة منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.