من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى وثمانين
فيها قام مع ابن الأشعث عامّة أهل البصرة من العلماء والعبّاد، فاجتمع له جيش عظيم ولقوا الحجّاج يوم الأضحى، فانكشف عسكر الحجّاج، وانهزم هو، وتمت بينهما عدّة وقعات، حتى قيل: كان بينهما أربع وثمانون وقعة في مائة يوم، ثلاث وثمانون على الحجّاج، والآخرة له.
وفيها، وقيل: في التي بعدها توفي أبو القاسم محمّد بن علي بن أبي طالب الهاشميّ بن الحنفيّة عن سبعين سنة إلّا سنة، وكان جمع له بين الاسم والكنية ترخيصا من النّبيّ ﷺ له، قال لعلي: «سيولد لك غلام بعدي، وقد نحلته اسمي وكنيتي، ولا يحلّ لأحد من أمتي بعده» وللعلماء في هذا تنازع.
وكان ابن الحنفيّة نهاية في العلم، غاية في العبادة، وتوقّف عن حمل
راية أبيه يوم الجمل، وقال: هذه مصيبة عمياء، فقال له أبوه: ثكلتك أمّك، أتكون عمياء وأبوك قائدها، وروي نحو هذا في يوم صفّين عنه.
وقيل له: كيف كان أبوك يقحمك المهالك دون أخويك، فقال: كانا عينيه، وكنت يده، فكان يتّقي عن عينيه بيده، وكان شديد القوّة، قيل:
استطال أبوه درعا فقطعه من الموضع الذي علّم له.
قيل: إن ملك الرّوم وجّه إلى معاوية رجلين أحدهما جسيم طويل، والآخر قوي، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أمّا الطويل فعندنا كفؤه، وهو قيس بن سعد بن عبادة، ورأيك في الآخر، فقال معاوية: هاهنا رجلان، محمّد بن الحنفيّة، وعبد الله بن الزّبير، ومحمد هو أقرب إلينا على كلّ حال، فلما حضروا نزع قيس سراويله ورماها إلى العلج فبلغت ثّندوته فأطرق العلج مغلوبا، وقيل: لاموا قيسا على خلع سراويله في المجلس، فقال:
أردت لكي ما يعلم القوم أنّهاسراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذهسراويل عاديّ نمته ثمود
وقال محمّد بن الحنفيّة: قولوا للعلج: إن شاء جلس وأقمته كرها بيد، أو يقعدني، وإن شاء، فليكن هو القائم، وأنا القاعد، فاختار الرّوميّ الجلوس، فأقامه محمّد، وعجز هو عن إقعاده، ثم اختار أن يقعد، فعجز
الرّوميّ عن إقامته، فانصرفا مغلوبين، وعند الكيسانيّة أن ابن الحنفيّة لم يمت، وأنه المهديّ الذي يخرج في آخر الزمان، وفي ذلك يقول كثّير عزّة:
ألا إنّ الأئمة من قريشولاة الحق أربعة سواء
عليّ والثلاثة من بنيههم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّوسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتىتعود الخيل يقدمها اللّواء
نراه مخيّما بجبال رضوىمقيما عنده عسل وماء
ولما اتّسق الأمر لابن الزّبير دعا محمّدا وابن عبّاس إلى بيعته فقالا:
حتى يجتمع النّاس على بيعتك، ثم أراد ابن عبّاس بعد تمهّل أن يبايعه، فأبى ابن الزّبير، فردّ عليه ابن عبّاس قولا شديدا، يتضمّن التنويه بعبد الملك، والغضّ منه، وذلك مذكور في «صحيح البخاري».
وفيها سويد بن غفلة الجعفيّ بالكوفة، وقدم المدينة وقد دفنوا
النبيّ ﷺ ومولده عام الفيل كما قيل، وكان فقيها إماما عالما قانعا كبير القدر.
وفيها حجّت أمّ الدّرداء الصغرى الوصابية الحميريّة، وكان لها نصيب وافر من العلم والعمل، ولها حرمة زائدة بالشّام، وقد خطبها معاوية بعد أبي الدّرداء، فامتنعت.
وقتل مع ابن الأشعث ليلة دجيل أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي، روى عن طائفة، ولم يدرك السماع من والده.
وقتل معه ليلتئذ عبد الله بن شدّاد بن الهاد الليثيّ ابن خالة خالد بن الوليد ﵁، وكان فقيها كثير الحديث، لقي كبار الصحابة، وأدرك معاذ بن جبل ﵁.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع