من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة اثنتين وثمانين
فيها استعرت الحرب بين الحجّاج وابن الأشعث، وبلغ جيش ابن الأشعث ثلاثة وثلاثين ألف فارس، ومائة وعشرين ألف راجل، قاموا معه على الحجّاج لله تعالى.
وفيها توفي أبو عمر زاذان مولى كندة، وقد شهد خطبة عمر بالجابية، وكان من علماء الكوفة.
وفيها توفي المهلّب بن أبي صفرة الأزدي أمير خراسان، صاحب الحروب والفتوح، أمير عبد الملك بن مروان على خراسان.
قال أبو إسحاق السّبيعي: لم أر أميرا أيمن نقيبة، ولا أشجع لقاء، ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما يحبّ من المهلّب، ومولده عام الفتح، ولأبيه صحبة.
وأبو صفرة هو ظالم بن سراق من أزد العتيك، أزد دبا، ودبا بين
عمان، والبصرة، وقال عبد الله بن الزّبير: هو سيّد العراق، وخلّف أولادا نجباء كراما، قيل: بلغ عددهم ثلاثمائة ولد.
وحمى البصرة من الشّراة بعد جلاء أهلها عنها، إلّا من كانت به قوة، فهي تسمى بصرة المهلّب.
قال ابن قتيبة: ولم يكن يعاب إلّا بالكذب، وقيل: فيه راج بالكذب وكان ولي خراسان، فعمل عليها خمس سنين، ومات بمرو الرّوذ من نواحي هراة، بينها وبين بلخ، واستخلف ابنه يزيد بن المهلّب، ويزيد ابن ثلاثين سنة، فعزله عبد الملك بن مروان برأي الحجّاج ومشورته، وولّى قتيبة بن مسلم. انتهى.
وفيها توفي أبو مريم زرّ بن حبيش الأسديّ القارئ بالكوفة، وله مائة وعشرون سنة، وكان عبد الله بن مسعود يسأله عن العربية.
وفيها قتل الحجّاج كميل بن زياد النخعي صاحب عليّ ﵁،
وكان شريفا، مطاعا شيعيّا، متعبّدا.
وفيها قتل أبو الشعثاء سليم بن أسود المحاربيّ الكوفي بظاهر البصرة.
وقتل محمّد بن سعد بن أبي وقّاص لقيامه مع ابن الأشعث.
وفيها توفي جميل بن عبد الله بن معمر الشاعر العذريّ المتيّم صاحب بثينة وكان هويها في الصّغر، فلما كبر خطبها، فصدّ عنها، فتيّم بها، وكان منزلها وادي القرى، وهي عذريّة أيضا، وتكنّى أمّ عبد الملك، ولما أكثر الشّعر فيها قيل له: لو قرأت القرآن كان خيرا لك، فقال حدّثني أنس قال:
قال رسول الله ﷺ: «إنّ من الشعر لحكمة». وكان كثّير عزّة راوية جميل، وجميل راوية هدبة وهدبة راوية
الحطيئة والحطيئة راوية زهير بن أبي سلمى المزني، وابنه كعب وكان آخر أمر جميل أن وفد على عبد العزيز بن مروان بمصر، فأحسن جائزته، ووعده في أمر بثينة، وسأله المقام عنده، فأقام قليلا، ومات هناك.
قال عبّاس بن سهل: دخلت عليه وهو يجود بنفسه، فقال يا عبّاس: ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قطّ، ولم يزن، ولم يقتل النّفس، ولم يسرق، يشهد أن لا إله إلّا الله، قلت: أظنه قد نجا من النار، وأرجو له الجنة، فمن هو؟ قال: أنا، قلت: تشبّبت ببثينة منذ عشرين سنة، وأنت سالم منها؟ قال:
لا تنالني شفاعة محمّد [ﷺ] وإني في آخر يوم من الدّنيا، وأول يوم من الآخرة، إن كنت وضعت يدي عليها لريبة، ثم مات.
وكان أوصى رجلا أن يأتي حيّ بثينة فيعلو شرفا ويصيح بهذين البيتين:
صرخ النّعيّ وما كنى بجميلوثوى بمصر ثوى بغير قفول
قومي بثينة فاندبي بعويلوابكي خليلا دون كلّ خليل
قال: فخرجت كأنها بدر في دّجنّة تتثنّى في مرطها فقالت: يا هذا إن كنت صادقا فلقد قتلتني، وإن كنت كاذبا فلقد فضحتني، فقلت: والله إني صادق، وأخرجت حلّته فلما رأتها صاحت وصكّت وجهها وغشي عليها ساعة، واجتمع نساء الحيّ يبكين معها ومن قوله فيها:
وخبّرتماني أنّ تيماء منزللليلى إذا ما الصّيف ألقى المراسيّا
فهذي شهور الصّيف عنّا قد انقضتفما للنّوى يرمي بليلى المراميا
في قصيدة، وغلط بعضهم، فجعلها لمجنون بني عامر، وليس كذلك، فإن تيماء، من منازل بني عذرة، والله أعلم.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع