من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمان وعشرين ومائة
فيها ظهر الضّحّاك بن قيس الخارجيّ، وقتل متولي البصرة، والموصل، واستولى عليها، وكثرت جموعه، وأغار على البلاد، وخافه مروان، فسار إليه بنفسه، فالتقى الجيشان بنصيبين وكان أشار على الضّحّاك أمراؤه أن يتقهقر، فقال: مالي في دنياكم من حاجة، وقد جعلت لله عليّ إن رأيت هذا الطاغية أن أحمل عليه حتّى يحكم الله بيننا، وعليّ دين سبعة دراهم، معي منها ثلاثة دراهم، فثارت الحرب إلى آخر النهار، وانهزم مروان وملك مخيّمه، وثبت أمير الميمنة في نحو ثلاث آلاف، فأحاطوا بذلك الخارجي، فقتلوه في نحو ستة آلاف من الفريقين، وقام بأمر الخوارج شيبان، فتحيّز بهم، وخندق، وخندقوا على أنفسهم، وجاء مروان فنازلهم، وقاتلهم عشرة أشهر، كل يوم يكسرونه، وكانت فتنة هائلة تشبه فتنة ابن الأشعث مع الحجّاج، ثم رحل شيبان نحو شهرزور ثم إلى كرمان، ثم كرّ إلى البحرين، فقتل هناك.
وفيها خروج بسطام بن اللّيث بأذربيجان، ثم قدم نصيبين في نيّف وأربعين رجلا، فنهض لحربه عسكر الموصل، فبيّتهم، وأصاب منهم ثم عاث بنصيبين، ثم قتل.
وفيها ولي العراقين يزيد بن عمر بن هبيرة.
وعزل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وقبض عليه ابن هبيرة من واسط، وبعث به إلى مروان مع ابن له، فلم يزالا في حبسه حتّى ماتا.
وفيها توفي بكر بن سوادة الجذاميّ المصريّ، مفتي مصر، وقد روى عن عبد الله بن عمر، وسهل بن سعد.
وجابر بن يزيد الجعفي، من كبار المحدّثين بالكوفة.
روى عن أبي الطّفيل، ومجاهد. وثقه وكيع وغيره، وضعفه آخرون.
وأبو قبيل المعافريّ المصريّ حييّ بن هانئ سمع عقبة، وعبيد الله بن عمرو.
وعاصم بن أبي النّجود الكوفيّ الأسديّ مولاهم، أحد القراء السبعة
كان حجّة في القرآن صدوقا في الحديث، قرأ على أبي عبد الرّحمن السّلمي وغيره.
وأبو عمران الجوني البصري، عبد الملك بن حبيب عن سنّ عالية.
سمع جندب بن عبد الله وجماعة.
وفيها على الأصح أبو حصين الأسديّ، عثمان بن عاصم سيّد بني أسد بالكوفة، كان ثبتا، خيّرا، فاضلا، عثمانيّا، لقي جابر بن سمرة وطائفة.
وأبو الزّبير المكيّ، محمّد بن مسلم، أحد العقلاء والعلماء، لقي عائشة والكبار.
قال ابن ناصر الدّين: نقم عليه التدليس، ومع ذلك فهو إمام حافظ، واسع العلم، رئيس. انتهى.
وأبو جمرة الضّبعيّ، نصر بن عمران، صاحب ابن عبّاس.
وفيها فقيه مصر وشيخها ومفتيها، أبو رجاء، يزيد بن أبي حبيب الأزدي مولاهم، لقي عبد الله بن الحارث بن جزء وطائفة.
قال اللّيث: هو عالمنا وسيدنا.
وفيها أبو التيّاح البصريّ، صاحب أنس، واسمه يزيد بن حميد.
قال أبو إياس: ما بالبصرة أحد أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله من أبي التيّاح.
وقال أحمد: هو ثبت ثقة.
وفيها يحيى بن يعمر النحويّ البصريّ، لقي ابن عمر، وابن عبّاس، وغيرهما، وأخذ النحو عن أبي الأسود [الدّؤلي] وكان يفضّل أهل البيت من غير تنقّص لغيرهم.
قال له: الحجّاج: تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله- ﷺ! لتخرجن من ذلك أو لألقينّ الأكثر منك شعرا، فقال: قال الله تعالى: وَمن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ الآية وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى الآية. وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمد- ﷺ فقال له الحجّاج: ما أراك إلّا قد خرجت والله لقد قرأتها وما علمت بها قطّ.
ثم قال له الحجّاج: أين ولدت؟ قال بالبصرة. قال: وأين نشأت؟
قال: بخراسان. قال فمن أين هذه العربية؟ قال: رزق.
ثم كتب الحجّاج إلى قتيبة بن مسلم: أن اجعل يحيى بن يعمر على قضائك.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع