من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمان وخمسين ومائتين
فيها توجه منصور بن جعفر فالتقى الخبيث قائد الزّنج وهو، فقتل منصور في المصاف، واستبيح ذلك الجيش، فسار أبو أحمد الموفق أخو الخليفة في جيش عظيم، فانهزمت الزّنج وتقهقرت، ثم جهز الموفق فرقة عليهم مفلح، فالتقوا الزّنج، فقتل مفلح في المصاف وانهزم النّاس، وتحيز الموفق إلى الأبلّة، فسيّر قائد الزّنج جيشا عليهم يحيى بن محمد، فانتصر المسلمون، وقتل في الوقعة خلق، وأسروا يحيى، فأحرق بعد ما قتل ببغداد، ثم وقع الوباء في جيش الموفق، وكثر [بالعراق] ثم كانت وقعة هائلة بين الزّنج والمسلمين، فقتل خلق من المسلمين، وتفرق عن الموفق عامة جنده.
وفيها توفي أحمد بن بديل الإمام أبو جعفر الياميّ الكوفيّ، قاضي الكوفة، ثم قاضي همذان. روى عن أبي بكر بن عيّاش وطبقته، وخرّج له الترمذيّ وغيره، وكان صالحا عادلا في أحكامه، وكان يسمى راهب الكوفة لعبادته.
قال الدارقطنيّ: فيه لين.
وقال في «المغني»: أحمد بن بديل الكوفي القاضي، مشهور غير متهم.
قال ابن عدي: يكتب حديثه مع ضعفه.
وقال النسائي: لا بأس به. انتهى.
وأبو علي أحمد بن حفص بن عبد الله السلميّ النيسابوري، قاضي نيسابور، روى عن أبيه وجماعة.
وفيها أحمد بن سنان القطّان، أبو جعفر الواسطيّ، الحافظ. سمع أبا معاوية وطبقته، وروى عنه أصحاب الكتب الستة إلّا الترمذي، وصنف «المسند» وكتب عنه ابن أبي حاتم، وقال: هو إمام أهل زمانه.
وفيها أحمد بن الفرات، بن خالد، أبو مسعود الرّازيّ الثقة، أحد الأعلام في شعبان بأصبهان، طوّف النواحي، وسمع أبا أسامة وطبقته، وكان ينظّر بأبي زرعة الرّازي في الحفظ، وصنف «المسند» و «التفسير». وقال:
كتبت ألف ألف وخمسمائة ألف حديث.
ومحمد بن سنجر، أبو عبد الله الجرجاني الحافظ، صاحب «المسند» في ربيع الأول بصعيد مصر. سمع أبا نعيم وطبقته، وكان ثقة خيرا.
ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، أبو بكر. الحافظ البغدادي.
الغزّال، مات في جمادى الآخرة ببغداد، وكان ثقة. رحل إلى عبد الرزاق فأكثر عنه وصنف.
ومحمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس، أبو عبد الله الذّهلي النيسابوري، أحد الأئمة الأعلام الثقات، سمع عبد الرّحمن [بن
مهدي] وطبقته، وأكثر الترحال، وصنف التصانيف، وكان الإمام أحمد يجلّه ويعظّمه.
قال أبو حاتم: كان إمام أهل زمانه.
وقال أبو بكر بن أبي داود: هو أمير المؤمنين في الحديث.
ويحيى بن معاذ الرّازيّ الزّاهد [العارف]، حكيم زمانه وواعظ عصره، توفي في جمادى الأولى بنيسابور، وقد روى عن إسحاق بن سليمان الرّازي وغيره.
وقال السلميّ في «طبقات الصوفية»: يحيى بن معاذ بن جعفر الرّازي الواعظ، تكلم في علم الرجال فأحسن الكلام فيه.
وكانوا ثلاثة إخوة: يحيى، وإبراهيم، وإسماعيل، أكبرهم سنا إسماعيل، ويحيى أوسطهم، وإبراهيم أصغرهم، وكلّهم كانوا زهّادا.
وأخوه إبراهيم خرج معه إلى خراسان وتوفي بين نيسابور وبلخ، وأقام يحيى ببلخ مدة، ثم خرج إلى نيسابور ومات بها.
ومن كلامه: من استفتح باب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين.
وقال: العبادة حرفة، وحوانيتها الخلوة، وآلاتها المخادعة ورأس مالها
الاجتهاد بالسّنّة، وربحها الجنّة.
وقال: الصبر على الخلوة من علامات الإخلاص.
وقال: الدّنيا دار الأشغال، والآخرة دار الأهوال، ولا يزال العبد متردّدا بين الأشغال والأهوال حتّى يستقر به القرار، إما إلى جنّة وإما إلى نار.
وقال: على قدر حبّك لله يحبّك الخلق، وعلى قدر خوفك من الله تعالى يهابك الخلق، وعلى قدر شغلك بالله يشتغل في أمرك الخلق.
وسئل عن الرقص فقال:
دققنا الأرض بالرّقصعلى غيب معانيكا
ولا عيب على رقصلعبد هائم فيكا
وهذا دقّنا للأرض إذ طفنا بواديكا
انتهى ملخصا.
وفيها الفضل بن يعقوب الرّخاميّ العالم الفاضل العلم الثقة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع