تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وثمانين ومائتين

فيها ظهر أبو عبد الله الشيعيّ بالمغرب، فدعا العامّة إلى الإمام المهدي عبيد الله، فاستجابوا له.

وفيها كان الوباء المفرط بأذربيجان، حتّى فقدت الأكفان، وكفّنوا باللّبّود، ثم بقي الموتى مطروحين في الطرق.

ومات أمير أذربيجان، محمد بن أبي السّاج وسبعمائة من خواصّه وأقربائه.

وفيها بشر بن موسى الأسديّ [أبو علي] ابن صالح بن شيخ بن عميرة البغداديّ، في ربيع الأول، ببغداد. روى عن هوذة بن خليفة، والأصمعي، وسمع من روح بن عبادة حديثا واحدا، وكان ثقة محتشما، كثير الرّواية، عاش ثمانيا وتسعين سنة.

وفيها ثابت بن قرّة بن هارون- ويقال: ابن هارون - الحاسب،

الحكيم، الحرّانيّ. كان في مبدأ أمره بحرّان، ثمّ انتقل إلى بغداد، فاشتغل بعلوم الأوائل، فمهر فيها، وبرع في الطب، وكان الغالب عليه الفلسفة، حتّى قال ابن خلّكان: كان صابئيّ النّحلة وله تآليف كثيرة في فنون من العلم مقدار عشرين تأليفا، منها «تاريخ» حسن، وأخذ كتاب إقليدس، فهذّبه، ونقّحه، وأوضح منه ما كان مشتبها، وكان من أعيان أهل عصره في الفضائل، وجرى بينه وبين أهل مذهبه أشياء أنكروها عليه في المذهب، فرفعوه إلى رئيسهم، فأنكر عليه مقالته ومنعه من دخول الهيكل، فتاب ورجع عن ذلك، ثم عاد بعد مدة إلى تلك المقالة، فمنعوه من الدخول إلى المجمع، فخرج من حرّان ونزل كفرتوثا- قرية كبيرة بالجزيرة الفراتية - وأقام بها مدة، إلى أن قدم محمد بن موسى من بلاد الرّوم راجعا إلى بغداد، فاجتمع به، فرآه فاضلا فصيحا، فاستصحبه إلى بغداد، وأنزله في داره، ووصله بالخليفة، فأدخله في جملة المنجّمين، فسكن بغداد وأولد أولادا منهم ولده:

إبراهيم بن ثابت، بلغ رتبة أبيه في الفضل، وكان من حذّاق الأطباء، ومقدّم أهل زمانه في صناعة الطب، وعالج مرّة السّريّ الرّفّاء الشاعر، فأصاب العافية، فعمل فيه وهو أحسن ما قيل في طبيب:

هل للعليل سوى ابن قرّة شافيبعد الإله وهل له من كافي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «هل للعليل سوى ابن قرة شافي»
أحيا لنا رسم الفلاسفة الذيأودى وأوضح رسم طبّ عافي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «هل للعليل سوى ابن قرة شافي»
فكأنّه عيسى ابن مريم ناطقايهب الحياة بأيسر الأوصاف
مثلت له قارورتي فرأى بهاما اكتنّ بين جوانحي وشغافي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «هل للعليل سوى ابن قرة شافي»
يبدو له الدّاء الخفيّ كما بداللعين رضراض الغدير الصّافي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «هل للعليل سوى ابن قرة شافي»

ومن حفدة ثابت المذكور:

أبو الحسن ثابت بن سنان بن قرّة، وكان صابئيّ النّحلة أيضا، وكان في أيام معزّ الدولة بن بويه، وكان طبيبا عالما، نبيلا، يقرأ عليه كتاب بقراط، وجالينوس، وكان فكّاكا للمعاني، وكان سلك مسلك جدّه ثابت في نظره في الطب، والفلسفة، والهندسة، وجميع الصناعات الرياضية للقدماء، وله تصنيف في التاريخ أحسن فيه.

فائدة: الحرّاني: نسبة إلى حرّان، وهي مدينة مشهورة بالجزيرة، خرج منها علماء أجلّاء، منهم: بنو تيميّة وغيرهم.

ذكر ابن جرير الطبري في «تاريخه» أن هاران عمّ إبراهيم الخليل وأبو زوجته سارة هو الذي عمرها، فسمّيت به، ثم عربت به، فقيل: حرّان، وكان لإبراهيم- صلى الله عليه وعلى نبيّنا وبقية الأنبياء وسلّم- أخ يسمى هاران

أيضا، وهو والد لوط ﵇.

وقال [الجوهريّ] في «الصحاح»: وحرّان اسم بلد، والنسبة إليه حرنانيّ على غير قياس، والقياس حرّانيّ على ما عليه العامّة. انتهى.

وفيها- أي سنة ثمان وثمانين- توفي مفتي بغداد، الفقيه عثمان بن سعيد بن بشّار، أبو القاسم البغداديّ الأنماطيّ، صاحب المزنيّ، في شوّال، وهو الذي نشر مذهب الشافعيّ ببغداد، وعليه تفقّه ابن سريج. قاله في «العبر».

وقال الإسنوي: والأنماطي منسوب إلى الأنماط، وهي البسط التي تفرش، أخذ الفقه عن المزنيّ، والرّبيع. وأخذ عنه ابن سريج.

قال الشيخ أبو إسحاق: كان الأنماطي هو السبب في نشاط الناس للأخذ بمذهب الشافعيّ في تلك البلاد. قال: ومات ببغداد سنة ثمان وثمانين ومائتين.

زاد ابن الصلاح في «طبقاته»، وابن خلّكان في «تاريخه»: أنه في شوّال.

نقل عنه الرافعيّ في الحيض، وفي زكاة الغنم، وغيرهما. انتهى ما قاله الإسنوي.

وفيها معلّى بن المثنى بن معاذ العنبريّ البصريّ المحدّث. روى عن

القعنبيّ. وطبقته، وسكن بغداد، وكان ثقة عارفا بالحديث.

وفيها الفقيه العلّامة أبو عمرو يوسف بن يحيى المغاميّ الأندلسيّ، تلميذ عبد الملك بن حبيب، وصاحب التصانيف. ألّف كتابا في الردّ على الشافعيّ، واستوطن القيروان، وتفقّه به خلق كثير. قاله في «العبر».

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.