من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وخمسين وخمسمائة
فيها توفي أبو حكيم النّهرواني إبراهيم بن دينار بن أحمد بن الحسين بن حامد بن إبراهيم النّهرواني الرزّاز، الفقيه الحنبلي، الفرضي الزاهد، الحكيم الورع.
ولد سنة ثمانين وأربعمائة، وسمع الحديث من أبي الحسن بن العلّاف، وأبي عثمان بن ملّة، وأبي الخطّاب، وبرع في المذهب، والخلاف، والفرائض، وأفتى وناظر. وكانت له مدرسة بناها بباب الأزج، وكان يدرّس ويقيم بها، وفي آخر عمره فوضت إليه المدرسة التي بناها ابن الشمحل بالمأمونية ودرّس بها أيضا. وقرأ عليه العلم خلق كثير وانتفعوا به، منهم: ابن الجوزي، وقال: قرأت عليه القرآن والمذهب والفرائض.
وممن قرأ عليه السّامري صاحب «المستوعب» ونقل عنه في تصانيفه.
قال ابن الجوزي: وكان زاهدا، عابدا، كثير الصوم، يضرب به المثل في الحلم والتواضع، من العلماء العاملين مؤثرا للخمول، ما رأينا له نظيرا
في ذلك. يقوم الليل ويصوم النهار، ويعرف المذهب والمناظرة، وله الورع العظيم. وكان يكسب بيده وإذا خاط ثوبا فأعطي الأجرة مثلا قيراطا، أخذ منه حبّة ونصفا وردّ الباقي، وقال: خياطتي لا تساوي أكثر من هذا. ولا يقبل من أحد شيئا.
وقال ابن رجب: صنّف تصانيف في المذهب والفرائض، وشرح «الهداية» كتب منه تسع مجلدات، ولم يكمله.
وحدّث، وسمع منه جماعة، منهم: ابن الجوزي، وعمر بن علي القرشي الدمشقي، وله نظم حسن منه، قوله:
يا دهر إن جارت صروفك واعتدتورميتني في ضيقة وهوان
أنّى أكون عليك يوما ساخطاوقد استفدت معارف الإخوان
وتوفي يوم الثلاثاء بعد الظهر، ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن قريبا من بشر الحافي، رحمهما الله تعالى.
وفيها علاء الدّين الحسين بن الحسين الغوري سلطان الغور، وتملّك بعده ولده سيف الدّين محمد.
وفيها سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي. كان أهوج أخرق فاسقا بل زنديقا يشرب الخمر في نهار رمضان، قبض عليه الأمراء في العام الماضي، ثم خنق في ربيع الآخر من السنة.
وفيها طلائع بن رزّيك الأرمني ثم المصري، الملك الصالح، وزير الدّيار المصرية. غلب على الأمور في سنة تسع وأربعين، وكان أديبا شاعرا فاضلا شيعيا جوادا ممدّحا. ولما بايع العاضد زوّجه بابنته ونقّص أرزاق الأمراء، فعملوا عليه بإشارة العاضد وقتلوه في الدهليز في رمضان، وكان في نصر التشيع كالسكة المحماة. كان يجمع الفقهاء ويناظرهم على الإمامة وعلى القدر. وله مصنّف في ذلك سمّاه «الاجتهاد في الردّ على أهل العناد» قرر فيه قواعد الرفض، وجامع الصالح الذي بباب زويلة منسوب إليه، وبنى آخر بالقرافة وتربة إلى جانبه، وهو مدفون بها.
ومن شعره:
ومهفهف ثمل القوام سرت إلىأعطافه النّشوات من عينيه
ماضي اللحاظ كأنّما سلّت يديسيفي غداة الروع من جفنيه
قد قلت إذ خطّ العذار بمسكةفي خده ألفين لا لاميه
ما الشّعر دبّ بعارضيه وإنماأصداغه نفضت على خدّيه
النّاس طوع يدي وأمري نافذفيهم وقلبي الآن طوع يديه
فاعجب لسلطان يعمّ بعدلهويجوز سلطان الغرام عليه
والله لولا اسم الفرار وأنّهمستقبح لفررت منه إليه
وفيها أبو الفتح بن الصّابوني عبد الوهاب بن محمد المالكي المقرئ الخفّاف، من قرية المالكية. روى عن النّعالي، وابن البطر،
وطبقتهما، وكتب، وحصّل، وجمع أربعين حديثا. وقرأ القراءات على [ابن] بدران الحلواني، وتصدّر للإقراء، وكان قيّما بالفنّ. توفي في صفر عن أربع وسبعين سنة.
وفيها الوزير جلال الدّين أبو الرضا محمد بن أحمد بن صدقة، وزر للراشد بالله، وكان فيه خير ودين. توفي في شعبان، عن ثمان وخمسين سنة.
وفيها ابن المادح أبو محمد، محمد بن أحمد بن عبد الكريم التميمي البغدادي. روى عن أبي نصر الزّينبي وجماعة، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها الخاقان محمود بن محمد التّركي سلطان ما وراء النهر، وابن بنت السلطان ملكشاه السلجوقي. سار بالغزّ في وسط السنة، وغزا نيسابور شهرين، وكان كالمقهور مع الغزّ، فهرب منهم إلى صاحب نيسابور المؤيد ثم خلّاه المؤيّد قليلا وسملة وحبسه.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع