من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة سبع وخمسين وخمسمائة
فيها توفي أبو يعلى حمزة بن أحمد بن فارس بن كروّس السّلمي الدمشقي. روى عن نصر المقدسي، ومكّي الرّميلي وجماعة، وكان شيخا مباركا حسن السمت. توفي في صفر عن أربع وثمانين سنة، وتفرّد برواية «الموطأ».
وفيها زمرّد خاتون المحترمة صفوة الملوك بنت الأمير جاولي، أخت الملك دقاق صاحب دمشق لأمه، وزوجة تاج الملك بوري، وأمّ ولديه شمس الملوك إسماعيل، ومحمود. سمعت من أبي الحسن بن قبيس، واستنسخت الكتب، وحفظت القرآن، وبنت المدرسة الخاتونية بصنعاء دمشق، ثم تزوّجها أتابك زنكي، فبقيت معه تسع سنين، فلما قتل حجّت وجاورت بالمدينة ودفنت بالبقيع، وهي التي ساعدت على قتل ولدها إسماعيل، لما كثر فساده وسفكه للدماء ومواطأته الفرنج على بلاد المسلمين، ولما جاورت بالمدينة المنورة قلّ ما بيدها، فكانت تغربل القمح والشعير، وتطحن وتتقوت بأجرتها، وكانت كثيرة البرّ، والصدقة، والصوم، والصلاة، رحمها الله تعالى.
وأما خاتون بنت أنر زوجة الملك نور الدّين، فتأخرت، ولها مدرسة بدمشق وخانقاه معروفة على نهر بانياس.
وفيها عبد الرحمن بن سالم التّنوخي، الواعظ، اجتمعت له الفصاحة والصباحة، ومواعظه مبكية مضحكة، وكلماته بالوعد والوعيد مهلكة، إذا وعظ كانت عباراته أرق من عبرات الباكين، وإذا أنشد كانت غرره مثل ثغور الضاحكين، فهو كما قال الحريري يقرّع الأسماع بزواجر وعظه، ويطبع الأسجاع بجواهر لفظه، وكان شحاذا حوّاشا قلما يخلو شركه من صيد، حتّى لو رآه الحريري لم يذكر أبا زيد.
أنشد في عزاء صدر الدّين إسماعيل شيخ الشيوخ ببغداد:
يا أخلّائي وحقّكمما بقا من بعدكم فرح
أيّ صدر في الزّمان لنابعد صدر الدّين ينشرح
قال ابن عساكر: كان أبوه منجما، وكان عبد الرحمن ينشد الشعر في الأسواق، خرج إلى بغداد وأظهر الزهد وعاد إلى دمشق، وصعد إليه على المنبر طفل فأمده على يديه وقال:
هذا صغير ما جنى صغيرةفهل كبير يركب الكبائرا
فضج الناس بالبكاء، مات بدمشق، ودفن بقاسيون. قاله ابن شهبة في «تاريخ الإسلام».
وفيها أبو مروان عبد الملك بن زهر بن عبد الملك الإشبيلي، طبيب عبد المؤمن وصاحب التصانيف. أخذ عن والده وبرع في الصناعة، وهو الذي صنّف «الدرياق السبعيني» صنّفه لعبد المؤمن.
وفيها الشيخ عديّ بن مسافر بن إسماعيل الشامي ثم الهكّاري الزاهد، قطب المشايخ وبركة الوقت، وصاحب الأحوال والكرامات، صحب الشيخ عقيلا المنبجي، والشيخ حمّاد الدبّاس، وعاش تسعين سنة، ولأصحابه فيه عقيدة تتجاوز الحدّ. قاله في «العبر».
وقال ابن الأهدل: له كرامات عظيمة، منها أنه إذا ذكر على الأسد وقف، وإذا ذكر على موج البحر سكن.
وإلى ذلك أشار الشيخ العارف الصّدّيق أبو محمد، المقرئ المعروف والده بالمدوّخ في «وسيلته الجامعة» فقال:
بجاه عديّ ذلك ابن مسافربه تسكن الأمواج في لجج البحر
وإن قلته للّيث لم يخط خطوةولا الشبر من قاع ولا البعض من شبر
وقال السّخاوي: أصله من قرية بشوف الأكراد تسمى بيت فار. ولد بها، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى اليوم، وصحب الشيخ عقيل المنبجي والشيخ حمّاد الدّباس، وأبا النجيب السهروردي، وعبد القادر الجيلي، وأبا الوفاء الحلواني، وأبا محمد الشنبكي.
وقال ابن شهبة في «تاريخه»: كان فقيها عالما، وهو أحد أركان الطريقة، سلك في المجاهدة وأحوال البداية طريقا صعبا تعذّر على كثير من المشايخ سلوكه، وكان الشيخ عبد القادر يثني عليه كثيرا ويشهد له بالسلطنة
على الأولياء، وكان في أوّل أمره في الجبال مجردا سائحا، وانتمى إليه عالم عظيم.
قال عمر بن محمد: خدمت الشيخ عدي سبع سنين، شهدت له فيها خارقات، أحدها أني صببت على يديه ماء، فقال لي: ما تريد؟ قلت: أريد تلاوة القرآن ولا أحفظ منه غير الفاتحة وسورة الإخلاص، فضرب بيده في صدري، فحفظت القرآن كله في وقتي وخرجت من عنده وأنا أتلوه بكماله.
وقال لي يوما: اذهب إلى الجزيرة السادسة بالبحر المحيط تجد بها مسجدا فادخله تر فيه شيخا، فقل له: يقول لك الشيخ عدي بن مسافر احذر الاعتراض ولا تختر لنفسك أمرا لك فيه إرادة، فقلت يا سيدي، وأنى لي بالبحر المحيط؟ فدفعني بين كتفي فإذا أنا بجزيرة والبحر محيط بها، وثمّ مسجد، فدخلته فرأيت شيخا مهيبا يفكر، فسلّمت عليه وبلّغته الرسالة، فبكى، وقال: جزاه الله خيرا، فقلت: يا سيدي ما الخبر؟ فقال: اعلم أنّه أحد السبعة الخواص في النزع.
وطمحت نفسي وإرادتي أن أكون مكانه، ولم تكمل خطرتي حتّى أتيتني، فقلت له:
يا سيدي، وأنّى لي بالوصول إلى جبل هكّار، فدفعني بين كتفي، فإذا أنا بزاوية الشيخ عدي، فقال لي: هو من العشرة الخواص. ذكر ذلك القطب اليونيني في «ذيله».
وفيها أبو نصر محمد الفرّوخي الكاتب. كان أديبا فاضلا.
من شعره:
يا ربّ عفوك إنّني في معشرلا أبتغي منهم سواك ملاذا
هذا ينافق ذا وذا يغتاب ذاويسبّ هذا ذا ويشتم ذا ذا
وفيها الشيخ الإمام المحدّث، سيد الحفاظ، سراج الدّين أبو الحسن، علي بن أبي بكر بن حمير اليمني الهمداني. روى عنه الإمام يحيى بن أبي الخير [صاحب «البيان»] وجماعة من ذي أشرق «البخاري» و «سنن أبي داود» وانتشر عنه الحديث بقطر اليمن، وعنه أخذ أحمد بن عبد الله القريظي.
قال الإمام يحيى بن أبي الخير: ما رأيت ولا سمعت بمثله، وله كتاب «الزلازل والأشراط». قاله ابن الأهدل.
وفيها هبة الله بن أحمد الشّبلي بن المظفّر. القصّار المؤذّن. توفي في سلخ السنة، عن ثمان وثمانين سنة، وبه ختم السماع من أبي نصر الزّينبي.
وفيها أبو بكر هبة الله بن أحمد الحفّار. روى عن رزق الله التميمي، وتوفي في شوال كلاهما ببغداد.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع