تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وخمسين وخمسمائة

فيها سار جيش المستنجد فالتقوا آل دبيس الأسديّين أصحاب الحلّة، فالتقوهم، فخذلت بنو أسد وقتل من العرب نحو أربعة آلاف، وقطع دابرهم، فلم تقم لهم بعدها قائمة.

وفيها سار نور الدّين الشهيد لقتال الفرنج، وكانوا عزموا على حمص، فترفعوا وفرق في يوم مائتي ألف دينار، وكتب إليه النّواب أن الصدقات كثيرة، للفقهاء، والفقراء، والصوفية، فلو استعنت بها ثم تعوضهم عنها، فغضب وكتب إليهم: إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وهل أرجو النصر إلّا بهؤلاء، و «هَلْ تُنْصَرُونَ إِلَّا بضُعَفَائِكُمْ» فكتبوا إليه فنقترض من أرباب الأموال ثم نوفيهم، فبات مفكرا، فرأى في منامه إنسانا ينشد:

أحسنوا ما دام أمركمنافذا في البدو والحضر
واغنموا أيام دولتكمإنّكم منها على خطر

فقام مرعوبا مستغفرا مما خطر له، وكتب: لا حاجة لي بأموال النّاس، وعاد الفرنج إلى بلادهم.

وفيها توفي الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة الزاهد، والد الشيخ أبي عمر، والشيخ الموفق. وله سبع وستون سنة. وكان خطيب جمّاعيل، ففرّ بدينه من الفرنج مهاجرا إلى الله، ونزل بمسجد أبي صالح، الذي بظاهر باب شرقي، ثم صعد إلى الجبل لتوخم ناحية باب شرقي عليهم، ونزل هو وولداه بسفح قاسيون، وكانوا يعرفون بالصالحية لنزولهم بمسجد أبي صالح، فسميت الصالحية بهم، وكانت تسمى أولا قرية الجبل، وقيل: قرية النخل، لنخل كان بها كثيرا، وكان زاهدا صالحا قانتا لله، صاحب جدّ وصدق وحرص على الخير، وهو الذي بنى الدّير بالصالحية.

وفيها أحمد بن جعفر الدبيثي- مصغرا نسبة إلى دبيثا قرية بواسط- البيّع، ابن عم الحافظ أبي عبد الله الدّبيثي. قدم بغداد، وكان قد ضمن البيع بواسط، ثم عطل عنه وصودر، وروى ببغداد شيئا من شعره، وأورد له ابن النجار في «تاريخه» قوله:

يروم صبرا وفرط الوجد يمنعهوسلوه ودواعي الشّوق تردعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
إذا استبان طريق الرّشد واضحةعن الغرام فيثنيه ويرجعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
مشحونة بالجوى والشوق أضلعهومفعم القلب بالأحزان مترعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة

ومنها:

عاثت يد البين في قلبي تقسّمهعلى الهوى وعلى الذكرى توزّعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
كأنّما آلت الأيام جاهدةلمّا تبدّد شملي لا تجمّعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
روّعت يا دهر قلبي كم تذوّقهمن الأسى وفؤادي كم تجرّعه

وهي طويلة.

والظاهر أنه عارض فيها قصيدة ابن زريق المشهورة.

وفيها شهردار بن شيرويه بن شهردار بن شيرويه الدّيلمي المحدّث الشافعي، أبو منصور.

قال ابن السمعاني: كان حافظا عارفا بالحديث، فهما عارفا بالأدب، ظريفا. سمع أباه، وعبدوس بن عبد الله، ومكّي السّلّار، وطائفة، وأجاز له أبو بكر بن خلف الشيرازي، وعاش خمسا وسبعين سنة. خرّج أسانيد لكتاب والده المسمى ب «الفردوس» في ثلاث مجلدات ورتبه ترتيبا حسنا وسمّاه «الفردوس الكبير».

وفيها عبد المؤمن الكوميّ التلمساني صاحب المغرب والأندلس.

كان أبوه صانعا في الفخّار فصار أمره إلى ما صار. وكان أبيض مليحا، ذا جسم عمّ تعلوه حمرة، أسود الشعر، معتدل القامة، وضيئا، جهوري الصوت، فصيحا، عذب المنطق، لا يراه أحد إلّا أحبه بديهة. وكان في الآخر شيخا أنقى. وقد سبق شيء من أخباره في ترجمة ابن تومرت وكان ملكا عادلا سايسا، عظيم الهيبة، عالي الهمّة، كثير المحاسن، متين الدّيانة،

قليل المثل، وكان يقرأ كل يوم سبعا من القرآن العظيم، ويجتنب لبس الحرير، ويصوم الاثنين والخميس، ويهتمّ بالجهاد والنظر في الملك كأنما خلق له، وكان سفّاكا لدماء من خالفه. سأل أصحابه مسألة ألقاها عليهم فقالوا: لا علم لنا إلّا ما علّمتنا، فلم ينكر ذلك عليهم، فكتب بعض الزهاد هذين البيتين ووضعهما تحت سجادته وهما:

يا ذا الذي قهر الأنام بسيفهماذا يضرّك أن تكون إلها
الفظ بها فيما لفظت فإنّهلم يبق شيء أن تقول سواها

فلما رآها وجم وعظّم أمرهما، وعلم أن ذلك بكونه لم ينكر على أصحابه قولهم: لا علم لنا إلّا ما علّمتنا، فكان عبد المؤمن يتزيّا بزي العامة ليقف على الحقائق، فوقعت عيناه على شيخ عليه سيما الخير، فتفرّس فيه أنه قائل البيتين، فقال له: أصدقني أنت قائل البيتين، قال: أنا هو، قال: لم فعلت ذلك؟ قال: قصدت إصلاح دينك، فدفع إليه ألف دينار فلم يقبلها.

ومن شعره وقد كثر الثوار عليه:

لا تحفلنّ بما قالوا وما فعلواإن كنت تسمو إلى العليا من الرّتب
وجرّد السيف فيما أنت طالبهفما تردّ صدور الخيل بالكتب

ومات غازيا بمدينة سلا في جمادى الآخرة، رحمه الله تعالى.

وفيها أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن عمّار بن أحمد بن علي ابن عبدوس الحرّاني الفقيه الحنبلي الزاهد العارف الواعظ.

ولد سنة عشر- أو إحدى عشرة- وخمسمائة. وسمع ببغداد من ابن

ناصر وغيره، وتفقّه وبرع في الفقه، والتفسير، والوعظ، والغالب على كلامه التذكير وعلوم المعاملات. وله تفسير كبير مشحون بهذا الفنّ، وله كتاب «المذّهب في المذهب» ومجالس وعظية، فيها كلام حسن. قرأ عليه قرينه أبو الفتح نصر الله بن عبد العزيز، وجالسه الشيخ فخر الدّين بن تيمية في أول اشتغاله، وقال عنه: كان نسيج وحده في علم التذكير والاطلاع على علم التفسير، وله فيه التصانيف البديعة والمبسوطات الوسيعة.

وسمع منه الحديث أبو المحاسن عمر بن علي القرشي الدمشقي بحرّان، وقال: هو إمام الجامع بحرّان، من أهل الخير والصلاح والدّين.

قال: وأنشدني لنفسه:

سألت حبيبي وقد زرتهومثلي في مثله يرغب
فقلت حديثك مستظرفويعجب منه الذي يعجب
أراك ظريفا مليح الجوابفصيح الخطاب فما تطلب

؟

فهل فيك من خلّة تزدريبها الصد والهجر هل يقرب؟
فقال أما قد سمعت المقالمغنّية الحيّ ما تطرب؟

وقوله:

قرّة عيني من صدقبعزمه عن الصّدف
ثمّ اقتنى الدّرّ الذيمن ناله نال الشّرف

توفي- رحمه الله تعالى- في آخر نهار عرفة، وقيل: ليلة عيد النحر، سنة تسع وخمسين وخمسمائة، كما جزم به ابن رجب.

وفيها سديد الدولة ابن الأنباري، صاحب ديوان الإنشاء ببغداد، وهو محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم الشيباني، الكاتب البليغ. أقام في الإنشاء خمسين سنة، وناب في الوزارة، ونفذ رسولا، وكان ذا رأي وحزم وعقل. عاش نيفا وثمانين سنة. وكانت رسائله بديعة المعاني، متينة المباني، عذبة المجاني. ومدحته الشعراء منهم الأرّجاني بقصيدة أولها:

إلى خيال خيال في الظلام سرىنظيره في خفاء الشخص إذ نظرا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «إلى خيال خيال في الظلام سرى»

ومنها:

معقرب الصّدغ تحكي نور غرّتهبدر بدا بظلام اللّيل معتكرا
مذ سافر القلب من صدري إليه هوىما عاد قطّ ولم أسمع له خبرا
وهو المسيء اختيارا إذ نوى سفراوقد رأى طالعا في العقرب القمرا

وكانت بينه وبين الحريري مكاتبات ومراسلات.

وفيها الجواد جمال الدّين أبو جعفر محمد بن علي الأصبهاني، وزير صاحب الموصل أتابك زنكي. كان رئيسا نبيلا مفخّما دمث الأخلاق سمحا كريما مفضالا، متنوعا في أفعال البرّ والقرب، مبالغا في ذلك. وقد وزر أيضا لولد زنكي سيف الدّين غازي، ثم لأخيه قطب الدّين مدة، ثم قبض عليه في هذه السنة وحبسه، ومات في العام الآتي فنقل ودفن بالبقيع. ولقد حكى ابن الأثير في ترجمة الجواد هذا مآثر ومحاسن لم يسمع بمثلها.

وفيها المؤيد محمد الألوسي- بفتح الهمزة وضم اللام ومهملة، نسبة إلى ألوس، ناحية عند حديثة الفرات، وقال ابن السمعاني عند طرسوس - كان يتزيا بزي الأجناد، وله المعاني المبتكرة، فمن ذلك قوله في قلم:

قلم يفلّ الجيش وهو عرمرموالبيض ما سلت من الأغماد
وهبت له الآجام حين نشا بهاكرم السيول وهيبة الآساد
للشاعر المؤيد الألوسي، اقرأ القصيدة

وما أظن أنه قيل في القلم أحسن منهما.

وفيها يحيى بن سعيد النصراني. أوحد زمانه في معرفة الطب والأدب، له ستون مقامة ضاهى بها «مقامات الحريري» ومن شعره في الشيب:

نفرت هند من طلائع شيبتيواعترتها سآمة من وجومي
هكذا عادة الشياطين ينفرن إذا ما بدت رجوم النّجوم

وفيها أبو زكريا العمراني، يحيى بن أبي الخير بن سالم اليماني، صاحب «البيان».

ولد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وتفقّه على جماعات، منهم زيد اليفاعي، وكان شيخ الشافعية ببلاد اليمن، وكان إماما زاهدا ورعا عالما خيّرا، مشهور الاسم، بعيد الصيت، عارفا بالفقه وأصوله، والكلام والنحو،

من أعرف أهل الأرض بتصانيف الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ويحفظ «المهذب» عن ظهر قلب، وقيل: إنه كان يقرؤه في كل ليلة، وكان ورده في كل ليلة أكثر من مائة ركعة بسبع القرآن العظيم، ورحل إليه الطلبة من البلاد، ومن تصانيفه «البيان» في نحو عشر مجلدات، وهو كاسمه، وفيه قيل:

لله شيخ من بني عمرانقد شاد قصر العلم بالأركان
يحيى لقد أحيا الشريعة هاديابزوائد وغرائب وبيان
هو درّة اليمن الذي ما مثلهمن أول في عصرنا أوثان

وكان حنبلي العقيدة، شافعي الفروع، كما قال ابن الأهدل كالآجري صاحب كتاب «الشريعة».

قال ابن شهبة وغيره: وله في علم الكلام كتاب «الانتصار في الرد على القدرية الأشرار» ينصر فيه عقيدته وتحامل فيه على الأشاعرة واختصر «الإحياء» وله كتاب «السؤال عما في المهذّب من الإشكال» وانتقل في آخر أمره من سير إلى ذي سفال، ثم مات بها مبطونا شهيدا، وما ترك فريضة في جملة مرضه، ونازع ليلتين، وهو يسأل عن أوقات الصلاة، ومحاسنه ومصنفاته كثيرة، رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.