تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وسبعين وسبعمائة

فيها- كما قال ابن حجر - ظهر بدمشق نجم كبير له ذؤابة طويلة من ناحية المغرب وقت العشاء وفي آخر الليل يظهر مثله في شرقي قاسيون.

وفيها توفي [عفيف الدّين بن] فخر الدّين إبراهيم بن إسحاق بن يحيى بن إسحاق الآمدي ثم الدمشقي.

ولد سنة خمس وتسعين وستمائة، وسمع من ابن مشرف، وابن الموازيني وخلق، وأجيز من بغداد ودمشق والإسكندرية، وخرّج له صدر الدّين بن إمام المشهد «مشيخة». وقد ولي نظر الإمام والأوقاف، ثم نظر الجيش والجامع بدمشق، وغير ذلك من المناصب الجليلة، وكان مشكور السيرة معظّما عند الناس، وحدث له في آخره صمم.

وحدّث بمصر ودمشق، وتوفي في ربيع الأول.

وفيها أحمد بن سالم بن ياقوت المكّي المؤذّن شهاب الدّين.

ولد سنة ست أو سبع وتسعين وستمائة، وسمع من الفخر التّوزري، وتفرّد

بالسماع منه، وسمع من الصّفي، والرّضي الطّبريين، وغيرهما. وكان إليه أمر زمزم وسقاية العبّاس.

وفيها شهاب الدّين أحمد بن علي بن محمد بن قاسم العرياني المحدّث.

ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة بدمشق، [وسمع] من علي [أحمد بن] علي الجزري، والذهبي وغيرهما. وبمصر من الميدومي. وبالقدس من علي بن أيوب وغيره، وحصّل الكتب والأجزاء، ودار على الشيوخ، ورافق الشيخ زين الدّين العراقي كثيرا. وأسمع أولاده، وصنّف «لغات مسلم»، و «شرح الإلمام»، ودرّس في الحديث بمدارس، وناب في الحكم. وكان محمود الخصال.

توفي في جمادى الآخرة.

وفيها أبو البركات أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد- سبعة في نسق سابعهم- ابن أبي بكر بن جماعة الزّهري بن النّظام القوصي ثم المصري.

ولد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وسمع من الواني، والدّبوسي، والحجّار، وغيرهم. وحدّث.

وفيها عماد الدّين إسماعيل بن خليفة بن عبد العالي النّابلسي الأصل الحسباني الشافعي. الامام العلّامة أبو الفداء.

أخذ بالقدس عن تقي الدّين القلقشندي، ولازمه حتّى فضل. وقدم

دمشق، فقرّر فقيها بالشامية البرّانيّة، ولم يزل في نمو وازدياد، واشتهر بالفضيلة، وزلام الفخر المصري، حتّى أذن له بالإفتاء، وأفتى ودرّس وأفاد، وقصد بالفتاوى من البلاد، وناب في الحكم.

قال الحافظ ابن حجي: أحد أئمة المذهب، والمشار إليهم بجودة النّظر، وصحة الفهم، وفقه النّفس، والذكاء، وحسن المناظرة والبحث والعبارة.

وكانت له مشاركة في غير الفقه، ونفسه قوية في العلم.

وقال غيره: شرح «المنهاج» في عشرة أجزاء، ولم يشتهر لأن ولده لم يمكّن أحدا من كتابته فاحترق غالبه في الفتنة. وكان الأذرعي ينقل منه كثيرا، وكتب منه نسخة لنفسه.

توفي بدمشق في ذي القعدة ودفن بباب الصغير قبلي جرّاح.

وفيها تقي الدّين أبو الفداء إسماعيل بن علي بن الحسن بن سعيد بن صالح، شيخ الفقهاء الشافعية، القلقشندي المصري، نزيل القدس وفقيهه.

ولد سنة اثنتين وسبعمائة بمصر، وقرأ بها وحصّل، ثم قدم دمشق بعد الثلاثين، فقرأ على الفخر المصري فأجازه بالإفتاء، وسمع الحديث الكثير، وحدّث، وأقام بالقدس مثابرا على نشر العلم والتصدي لإقراء الفقه، وشغل الطلبة، وزوّجه مدرّس الصّلاحية يومئذ الشيخ صلاح الدّين العلائي ابنته، وصار معيدا عنده بها، وجاءه منها أولاد أذكياء علماء، واشتهر أمره، وبعد صيته بتلك البلاد، ورحل إليه، وكثرت تلامذته.

قال ابن حجي: وممن تخرّج به الإمام عماد الدّين الحسباني، وانتفع به أيضا حموه. وكان حافظا للمذهب، يستحضر «الروضة»، ديّنا، مثابرا على الخيرات.

توفي في جمادى الآخرة بالقدس.

وقال ابن حجر: حدّث ب «الصحيح» لمسلم عن الشريف موسى وب «الصحيح» عن الحجّار.

وفيها عبّاس بن علي بن داود بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول اليماني الملك الأفضل، صاحب زبيد وتعز.

ولي سنة أربع وستين، وقام في إزالة المتغلبين من بني منكال إلى أن استبدّ بالمملكة، وكان يحب الفضل والفضلاء، وألّف كتابا سمّاه «نزهة العيون» وغير ذلك. وله مدرسة بتعز وأخرى بمكة.

مات في ربيع الأول.

وفيها جمال الدّين عبد الله بن كمال الدّين محمد بن إسماعيل بن أحمد ابن سعيد الحلبي ثم المصري ابن الأثير.

ولد سنة ثمان وسبعمائة، وسمع من الحجّار ووزيرة، وحدّث ب «الصحيح». وكان ماهرا في العربية، وقد ولي كتابة السّرّ بدمشق، ثم انقطع للعبادة بالقاهرة، ومات بها في جمادى الآخرة.

وفيها تقي الدّين عبد الله بن محمد بن الصّايغ.

ولد سنة ثلاث وسبعمائة، وسمع من إسحاق الآمدي، والحجّار، وغيرهما. وأجاز له ابن مكتوم، وعلي بن هارون وغيرهما. وكان أحد الرؤساء بدمشق، منوّر الشّيبة، حسن الصّور.

مات في رجب.

وفيها فخر الدّين عثمان بن أحمد بن عثمان الزّرعي، ابن شمر نوح، الشافعي قاضي حلب.

قال ابن حبيب: حكم بطرابلس وحلب عشرين سنة، وكان موصوفا بالرئاسة، والفضل، والإحسان، والتواضع، والبرّ، ومعرفة الأحوال.

وفيها علاء الدّين علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن عثمان بن أسعد ابن المنحّى الشيخ الكبير الصالح الحنبلي.

سمع «صحيح البخاري» من وزيرة، وسمع من عيسى المطعّم وغيره، وحدّث، فسمع منه الشيخ شهاب الدّين بن حجي، وقال: هو من بيت كبير، ورجل جيد، وهو أخو الشيخة فاطمة بنت المنجّى شيخة ابن حجر العسقلاني التي أكثر عنها. عاشت بعده بضعا وعشرين سنة، حتّى كانت خاتمة المسندين بدمشق.

توفي في ربيع الآخر عن ثمان وستين سنة.

وفيها عمر بن حسن بن يزيد بن أميلة بن جمعة بن عبد الله المراغي ثم المزّي.

ولد سنة ثمانين وستمائة، وقال البرزاليّ: سنة اثنتين وثمانين، وهو المعتمد، وأسمع على الفخر بن البخاري «جامع الترمذي»، و «سنن أبي داود»، و «مشيخته» تخريج ابن الظّاهري، و «ذيلها» للمزّي، و «الشمائل»، وتفرّد بالسنن و «الجامع»، و «الذيل» ورحل الناس إليه. وكان صبورا على السماع، وأمّ بجامع المزّة مدة، وحدّث نحوا من خمسين سنة،

وسمع من جماعات، وخرّج له الناس في مشيخة لطيفة، وقرأ القراءات على ابن بصخان. وله شعر وسط منه:

ولي عصا من جريد النّخل أحملهابها أقدّم في نقل الخطا قدمي
ولي مآرب أخرى أن أهشّ بهاعلى ثمانين عاما لا على غنمي

توفي في ربيع الآخر عن مائة سنة.

وفيها عمر السّلفي الشافعي من فقهاء المقادسة.

مات في رجب. كذا ذكره ابن حجر.

وفيها بدر الدّين محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن محمد بن محمد بن المظفّر السّبكي المصري ابن السّكّري المسند. سمع من وزيرة مسند الشافعي، وحدّث به، وله إجازة من جماعة من المصريين، وقد ذكره البرزاليّ من مسندي مصر.

وفيها بدر الدّين محمد بن علي بن منصور الحلبي ثم الدمشقي ابن قوالح.

ولد سنة خمس وتسعين وستمائة، وأحضر على أبي الفضل بن عساكر، فسمع منه «صحيح مسلم». وسمع «صحيح البخاري» من اليونيني، ومن ابن القوّاس «عمل اليوم والليلة» لابن السّنّي بفوت. ودرّس في العربية أكثر من ستين سنة، حتّى إن النّجم القحفازي كان منزلا عنده، ومات قبله بمدة طويلة، وتفرّد. قاله ابن حجي.

وفيها نصير الدّين أبو المعالي محمد [بن محمد] بن إبراهيم بن أبي بكر، هو ابن المؤرّخ شمس الدّين الجزري.

ولد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وأسمع من المطعم، والشّيرازي، وغيرهما. ثم طلب بنفسه بعد الثلاثين، فقرأ الكتب، وسمع، وكتب الأجزاء، واشتغل بالفقه، وربما كتب على الفتوى، وكان السّبكي فمن دونه يرجعون إلى قوله، وولي مباشرة الأيتام. وكان مشكور السيرة، ذا همّة عالية.

توفي في جمادى الآخرة.

وفيها محبّ الدّين محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم الحلبي، ناظر الجيش الشافعي.

ولد سنة سبع وتسعين وستمائة، واشتغل ببلاده، ثم قدم القاهرة، ولازم أبا حيّان، والتّاج التّبريزي، وغيرهما. وحفظ «المنهاج» و «الألفية» وبعض «التسهيل» وتلا بالسبع على الصّايغ، ومهر في العربية وغيرها، ودرّس فيها وفي «الحاوي». وسمع من الشريف موسى، وست الوزراء، وغيرهما. وحدّث وأفاد، وخرّج له الياسوفي «مشيخة». وشرح «التسهيل» إلّا قليلا. وشرح «تلخيص المفتاح» شرحا مفيدا. وكانت له في الحساب يد طولى، وولي نظر الجيش، ونظر البيوت، والديوان، وكان عالي الهمّة، نافذ الكلمة، كثير البذل والجود والرفد للطلبة والرفق بهم، وكان من العجائب.

قال ابن حجر: إنه مع فرط كرمه في غاية البخل على الطّعام.

وكان كثير الظّرف والنّوادر، وبلغت مرتباته في الشهر ثلاثة آلاف، وكان من محاسن الدنيا، مع الدّين والصّيانة.

توفي في ثاني عشر ذي الحجّة.

وفيها قاضي القضاة شرف الدّين أبو البركات موسى بن فيّاض بن عبد العزيز بن فيّاض الحنبلي الفندقي النّابلسي، الشيخ الإمام الحبر.

سمع من جماعة، منهم: أبو بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعم، وحدّث، وباشر حاكما رابعا. ولي قضاء حلب سنة ثمان وأربعين، وهو أول من ولي قضاء قضاة الحنابلة بها، وكان طارحا للتكلّف، جزيل الدّيانة والتعفف، مقبلا على العبادة، وأجاز لجماعة منهم الشيخ شهاب الدّين بن حجّي.

توفي في ذي القعدة بحلب.

وفيها جمال الدّين يوسف بن أحمد بن سليمان، المعروف بابن الطّحّان الحنبلي، الشيخ الإمام الأوحد ذو الفنون.

قال شيخ الإسلام ابن مفلح: كان بارعا في الأصول، أخذه عن الشيخ شهاب الدّين الإخميمي، وأخذ العربية عن العنائي، وتفقه في المذهب على ابن مفلح، صاحب «الفروع» وغيره. وكان بارعا في المعاني والبيان، صحيح الذهن، حسن الفهم، جيد العبارة، إماما، نظّارا، مفتيا، مدرّسا، حسن السيرة، عنده أدب وتواضع، وله ثروة.

توفي بالصّالحية يوم السبت سادس عشري شوال وله نحو أربعين سنة.

وفيها جمال الدّين يوسف بن عبد الله بن حاتم بن محمد بن يوسف، الشهير بابن الحبّال الحنبلي.

قال العليمي هو المسند المعمّر. سمع من القاضي تاج الدّين عبد الخالق، وابن عبد السّلام، وغيرهما.

قال الشيخ شهاب الدين بن حجي: سمعنا عليه مرارا «مسند الشافعي» ﵁.

توفي ببعلبك عشية يوم الخميس سابع رجب، وصلّي عليه من الغد عقب صلاة الجمعة، ودفن بباب سطحا

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.