تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة تسع وسبعين وسبعمائة

فيها توفي أحمد بن علي بن عبد الرحمن العسقلاني الأصل المصري المشهور بالبلبيسي، الملقب سمكة.

كان بارعا في الفقه والعربية والقراءات، وكان الإسنوي يعظّمه، وهو من أكابر من أخذ عنه واشتغل وبرع، وأخذ عن علماء مصر، وسمع من الميدومي وغيره.

قال ابن حجر: ورافق شيخنا العراقي في سماع الحديث، وقرأ بالروايات، وكان خيّرا، متواضعا. مات في المحرم.

وفيها أبو جعفر أحمد بن يوسف بن مالك الرّعيني الغرناطي الأندلسي، رفيق محمد بن جابر الأعمى، شارح «الألفية» وهما المشهوران بالأعمى والبصير.

قال في «إنباء الغمر»: ارتحل إلى الحجّ، فرافق أبا عبد الله بن جابر الأعمى، تصاحبا وترافقا إلى أن صارا يعرفان بالأعميين، وسمعا في الرحلة من أبي حيّان، وأحمد بن علي الجزري، والحافظ المزّي، وغيرهم. وكان

أبو جعفر شاعرا، ماهرا، عارفا بفنون الأدب، وكان رفيقه عالما بالعربية، مقتدرا على النّظم، واستوطنا البيرة من عمل حلب، وانتفع بهما أهل تلك البلاد.

وقال السيوطي في «طبقات النّحاة»: أقام أبو جعفر بحلب نحو ثلاثين سنة، وكان عارفا بالنحو وفنون اللّسان، مقتدرا على النّظم والنثر، ديّنا، حسن الخلق، كثير التأليف في العربية وغيرها، شرح «بديعية» رفيقه وأجاز لأبي حامد ابن ظهيرة. مولده بعد السبعمائة، ومات منتصف رمضان.

ومن شعره:

لا تعاد النّاس في أوطانهمقلّما يرعى غريب الوطن
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وإذا ما عشت عيشا بينهمخالق النّاس بخلق حسن
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة

وفيها أحمد بن أبي الخير اليمني الصّيّاد، أحد المشهورين بالصّلاح والكرامات من أهل اليمن.

كان محافظا على التّقوى، معظّما في النّفوس، اجتمع هو ورجل من الزّيدية، فتوافقا على دخول الخلوة، وإقامة أربعين يوما، لا أكل ولا شرب، فضجّ الزّيدي من رابع يوم، فأخرج وثبت ابن الصّيّاد إلى آخر الأربعين، فتاب الزّيدي على يده هو وجميع من معه، وتوفي في شوال وله أربعون سنة.

وفيها الأمير اقتمر الحنبلي الصّالحي.

كان من مماليك الصالح إسماعيل، وولي رأس نوبة في دولة المنصور ابن المظفّر، ثم خازندارا في دولة الأشرف، ثم تقدم في سنة سبعين، ونفاه الجائي إلى الشام، ثم أعيد بطّالا، ثم استقرّ رأس نوبة، ثم نائب السلطنة بعد منجك، ثم قرّر في نيابة الشام إلى أن توفي بها في هذه السنة في رجبها، وكان أولا يعرف بالصّاحبي، وكان يرجع إلى دين، وعنده وسواس كثير في الطّهارة وغيرها فلقّب

لذلك الحنبلي، ثم ذكره الحنابلة في طبقاتهم، وكان يحب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

وفيها زين الدّين أبو بكر بن علي بن عبد الملك الماروني المالكي قاضي دمشق بعد موت المسلاتي، ثم قاضي حلب، ثم عزل، واستمر بدمشق بعد ذلك إلى أن مات، وكان سمع من ابن مشرف، مشاركا في العلوم إلّا أنه كان بذيء اللّسان مع حسن صورته.

مات فجأة في شوال بدمشق وبلغ السبعين. قاله ابن حجر.

وفيها أبو بكر بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد الطّرسوسي القاضي الحنفي.

سمع من عمّه العماد علي بن أحمد الطّرسوسي الحنفي، القاضي، وأبي نصر الشّيرازي، وغيرهما.

وتوفي في شوال، وكان يعرف بابن أخي القاضي.

وفيها الحسن بن أحمد بن هلال بن سعد بن فضل الله الصّرخدي، ثم الصّالحي، المعروف بابن هبل الطّحّان.

ولد سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وسمع من الفخر بن البخاري، ومن التّقي الواسطي، وأجازا له، وسمع بنفسه من التّقي سليمان، وأخيه، وفاطمة بنت سليمان، والدشتي، وعثمان الحمصي، وعيسى المغاري، وغيرهم. وحدّث بالكثير، ورحل إليه الناس، وتوفي في صفر.

وفيها بدر الدّين أبو محمد الحسن بن عمر بن حسن بن عمر بن حبيب بن عمر بن سريح بن عمر الدمشقي الأصل الحلبي.

ولد بحلب سنة عشر، وأحضر في الشهر العاشر من عمره على إبراهيم، وعبد الرحمن ابني صالح بن العجمي، وأحضر على بيبرس العديمي وغيره، ورحل، فسمع بالقاهرة من محمد بن معضاد، ومحمد بن غالي، وعبد المحسن بن الصّابوني، ويحيى بن المصري، وغيرهم. واشتغل وبرع إلى أن صار رأسا في الأدب والشروط. ثم انتقى وخرّج وأرّخ وتعانى في تأليفه السجع، وناب في الحكم، ووقّع في الإنشاء، وصنّف فيها، واشتهر بالأدب، ونظم، ونثر، وجمع مجاميع مفيدة، ثم لزم بيته بأخرة مقبلا على التصنيف، فمنها «درّة الأسلاك في دولة الأتراك» و «تذكرة النّبيه في أيام المنصور وبنيه».

وكان دمث الأخلاق، حسن المحاضرة، حميد المذاكرة.

مات ضحى يوم الجمعة حادي عشر ربيع الآخر بحلب، عن تسع وستين سنة، وهو والد الشيخ زين الدّين طاهر وقد ذيّل على تاريخه.

وفيها زينة بنت أحمد بن عبد الخالق بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن يونس الموصلية.

سمعت من عيسى المطعم، وابن النّشو، وغيرهما، وحدّثت بالكثير، وتوفيت في شعبان.

وفيها محمد بن عبد الله الطّرابلسي الحلبي الشافعي الفروع الحنبلي

الأصول، صاحب ابن القيّم. حمل عنه الكثير، وكان فاضلا، مشهورا، وذهنه جيد، وله نظم حسن، وكان قصيرا جدا، ولم يعاشر الفقهاء، ودرس بالظّاهرية، ومات في رمضان.

وفيها مجد الدّين أبو سالم محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن زهرة الحلبي.

جال في بلاد العجم، ولقي العلماء بها، واشتغل بالمعاني وغيرها، وقال الشعر، وكان يذكر أنه سمع «المشارق» من محمد بن محمد بن الحسين بن أبي العلاء الفيروزآبادي بسماعه من محمد بن الحسين بن أحمد النيسابوري، المعروف بالخليفة، عن مؤلّفه، وحدّث بشيء من ذلك بحلب.

ومن نظمه:

أبا سالم اعمل لنفسك صالحافما كلّ من لاقى الحمام بسالم

وفيها مجد الدّين محمد بن محمد بن إبراهيم البلبيسي الإسكندراني الأصل، موقّع الحكم.

سمع من الواني، والمزّي، وغيرهما. وتفقه بالمجد الزّنكلوني، وأخذ عن ابن هشام، وعني بالحساب، فكان رأسا فيه، وفي الشروط، وانتهت إليه معرفة السّجلات، وكان يوقّع عن المالكية وينوب عن الحنفية، ومن مصنّفاته حاشية على «المعونة» وشرحه للوسيلة. عاش ستين سنة.

وفيها جمال الدّين أبو بكر محمد الإمام العلّامة كمال الدّين أبو العبّاس أحمد بن الإمام جمال الدّين محمد بن أحمد بن عبد الله بن سحمان الإمام العلّامة الشافعي، بقية السّلف، القاضي البكري الوائلي الشّريشي الأصل الدمشقي.

مولده سنة أربع أو خمس وتسعين وستمائة، وأحضر على جماعة، وسمع

من جماعة، وأجاز له آخرون، واشتغل في صباه، وتفنّن في العلوم، واشتهر بالفضيلة، ودرّس في حياة والده، ثم بعد وفاته بالرّباط النّاصري، ثم بعدة مدارس، وأفتى كلّ ذلك، وهو في سنّ الشبيبة، ثم ولاه القاضي علاء الدين القونوي قضاء حمص، فنزح إلى هناك وأقام زمنا طويلا ثم قدم دمشق في أول ولاية السّبكي، فولي تدريس البادرائية في سنة إحدى وأربعين، وأقام يشغل الناس في الجامع ويفتي، ثم نزل عن البادرائية لولده شرف الدّين سنة خمسين، والإقبالية لولده بدر الدّين، وتوجّه إلى مصر سنة تسع وستين، فولّاه البلقيني نيابة في الطريق، ثم توجّه هو إلى القاهرة، وعاد المترجم إلى دمشق، وباشر تدريس الشامية البرّانيّة والحكم يوما واحدا، ثم مرض ومات، وحدّث بمصر والشام، واختصر «الروضة» وشرح «المنهاج» في أربعة أجزاء، وله «زوائد» على «المنهاج» وكان حسن المحاضرة، دمث الأخلاق، وله خطب ونظم.

توفي في شوال ودفن بتربتهم في سفح قاسيون.

وفيها جمال أبو الفضل محمد بن محمد بن عبد الرحمن السّامي، نزيل المدينة.

تفقه بالعماد الحسباني، وأخذ عن تقي الدّين ابن رافع وغيره، وسمع من ابن أميلة وغيره، وتخرّج بالعفيف المطري، وسمع بمصر وغيرها، وكان ترافق هو وعبد السلام الكازروني إلى مكة، فيقال: إنه دسّ عليهما سمّ بسبب من الأسباب فقتلهما، فمات السّاميّ في صفر، والكازروني بعده بأيام، وقد حدّث باليسير ولم يكمل الأربعين.

وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن علي بن الشّمس أحمد بن خلّكان الإربلي الأصل ثم الدمشقي.

ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة، وسمع من الحجّار وغيره، وحدّث عن الحنبلي ب «المنتقى من النسفي»، ومات في ربيع الآخر.

وفيها شرف الدّين محمد بن محمد بن مشرّف بن منصور بن محمود الزّرعي قاضي عجلون.

كان من الفضلاء حسن السيرة.

مات بدمشق في ربيع الأول. قاله ابن حجر.

وفيها شمس الدّين محمد بن بدر الدّين محمد بن يحيى بن عثمان بن رسلان البعلي السّلاوي، يعرف بابن شقرا.

ولد بعد السبعمائة، وسمع سنة سبع وسبعمائة من شمس الدّين بن أبي الفتح، وبعد ذلك من القطب اليونيني وجماعة، وحدّث، فأخذ عنه الياسوفي، وابن حجي، وغيرهما، ومات في جمادى الأولى.

وفيها بدر الدّين محمد بن ميكال اليمني بن أمير حرس والمهجم وغيرهما من بلاد اليمن.

خرج على المجاهد، وادعى أنه حسنيّ، وخطب له بالسلطنة على المنابر، ومات المجاهد في غضون ذلك فنهض الأفضل لحربه إلى أن فرّ، فلجأ إلى الإمام الزّيدي بصعدة، فأقام عنده إلى أن مات في هذه السنة.

وفيها محمود بن أحمد الحلبي الجندي.

قال ابن حجر: إمام فارس، اشتغل كثيرا بحلب، ومهر، وحفظ كتبا.

وبحث وقرأ، ثم قدم دمشق، فمات بها وهو شاب وله دون الأربعين.

وفي حدودها العلّامة عزّ الدّين يوسف الأردبيلي الشّافعي صاحب كتاب «الأنوار في الفقه».

ذكره العثماني في «طبقاته» فيمن هو باق إلى سنة خمس وسبعين، وقال:

كبير القدر، غزير العلم، أناف على التسعين، جمع كتابا في الفقه سمّاه «الأنوار» مجلدان لطيفان، عظيم النّفع، اختصر به «الروضة» وغيرها، وجعله خلاصة المذهب، وهو باق بأردبيل، أفاض الله عليه فضله الجزيل. انتهى.

وله «شرح مصابيح البغوي» في ثلاثة أجزاء.

وفي حدودها أيضا الأمير الفاضل ناصر الدّين محمد بن المقر الأشرف العالي الأمير البدري حسن كلي، أحد الأمراء الكبار بالديار المصرية.

كان فقيها حنبليا فاضلا ذكيا، له خط حسن إلى الغاية، وشعره في غاية الحسن، منه قوله:

قلب المتيّم كاد أن يتفتّتافإلى متى هذا الصّدود إلى متى
يا معرضين عن المشوق تلفتوافعوائد الغزلان أن تتلفّتا
كنّا وكنتم والزّمان مساعدعجبا لذاك الشّمل كيف تشتّتا
صدّ وبعد واشتياق دائمما كلّ هذا الحال يحمله الفتى

وفي حدودها أيضا الشيخ أبو طاهر إبراهيم بن يحيى بن غنّام المعبّر الحنبلي.

كان فاضلا، عالما، وله كتاب حسن في التعبير على حروف المعجم، رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.