من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمانين وسبعمائة
فيها كان الحريق العظيم بمصر بدار التّفاح ظاهر باب زويلة، لولا أن السور منع النّار النفوذ لاحترق أكثر المدينة، وأقام الناس في شيل التراب أكثر من ثلاثة أشهر.
وفيها برهان الدّين إبراهيم بن عبد الله الحكري المصري.
قال ابن حجر: ولي قضاء المدينة، وكان عارفا بالعربية، وشرح «الألفية» ثم رجع فمات بالقدس في جمادى الآخرة، وقد ناب في الحكم عن البلقيني في الخليل والقدس، وأمّ عنه نيابة في الجامع بدمشق.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن سليمان بن محمد العدناني البرشكي- بكسر الموحدة والراء وسكون المعجمة بعدها كاف -.
قال ابن حجر: ولد صاحبنا المحدّث زين الدّين عبد الرحمن.
روى عن الوادياشي، والشريف المغربي، واشتغل ومهر، وله حواش على «رياض الصالحين» للنووي في مجلد، وله تأليف.
روى عنه عبد الله بن مسعود بن علي بن القرشية وغيره، من أهل تونس.
وفيها أحمد بن عبد الله العجمي المعروف بأبي ذر.
قدم مصر بعد أن صحب الشريف حيدر بن محمد، فأقام مدة ثم رجع إلى
القدس وبه مات، واشتهر على ألسنة العوام باذار، وكان يعرف علم الحرف، ويدرّس كتب ابن العربي، وله اشتغال في المعقول وذكاء، وكان كثير التقشف، وللناس فيه اعتقاد.
مات في ذي الحجّة، وقد أضرّ، وجاوز السبعين.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن عبد الله بن ملك بن مكتوم العجلوني بن خطيب بيت لهيا.
ولد سنة تسع وسبعمائة، وسمع من الحجّار، وإسماعيل بن عمر الحموي، وغيرهما، وحدّث. وكان رئيسا وجيها، وله عدة مشاركات. مات في المحرم.
وفيها أبو بكر بن الحافظ تقي الدّين محمد بن رافع.
ولد في رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وأسمعه أبوه من زينب بنت الكمال، والجزري، وغيرهما. وحدّث، ودرّس بالعزيزية بعد أبيه، ومات في رجب.
وفيها الحسن بن سالار بن محمود الغزنوي ثم البغدادي الفقيه الشافعي.
رحل قديما، فسمع من الحجّار وغيره، ثم رجع، وحدّث ببغداد «صحيح البخاري» عن الحجّار و «تلخيص المفتاح» عن مصنّفه الجلال القزويني، وتوفي في شوال.
وفيها بهاء الدين داود بن إسماعيل القلقيني نسبة إلى قرية بين نابلس والرّملة.
كان فاضلا شافعيا. درّس وأفتى، وسكن في حلب.
ذكره القاضي علاء الدّين في «تاريخه».
وفيها ضياء الدّين عبد الله بن سعد الله بن محمد بن عثمان القزويني القرمي، ويسمى أيضا ضياء، ويعرف بقاضي القرم العفيفي الشافعي، أحد العلماء.
تفقه في بلاده، وأخذ عن القاضي عضد الدّين وغيره، واشتغل على أبيه البدر التّستري، والخلخالي، وتقدم في العلم حتّى إن السّعد التّفتازاني قرأ عليه، وحجّ قديما، وسمع من العفيف المطري بالمدينة. وكان اسمه عبيد الله فغيّره لموافقته اسم عبيد الله بن زياد بن أبيه قاتل الحسين، وكان يستحضر المذهبين، ويفتي فيهما، ويحسن إلى الطلبة بجاهه وماله، مع الدّين المتين، والتواضع الزائد، وكثرة الخير، وعدم الشّرّ، وكانت لحيته طويلة جدا بحيث تصل إلى قدميه ولا ينام إلّا وهي في كيس، وكان إذا ركب يفرقها فرقتين، وكان عوام مصر إذا رأوه قالوا: سبحان الخالق، فكان يقول: عوامّ مصر مؤمنون حقّا لأنهم يستدلون بالصّنعة على الصّانع، ولما قدم القاهرة استقرّ في تدريس الشافعية بالشيخونية والبيبرسية وغير ذلك، وكان لا يملّ من الاشتغال حتّى في حال مشيه، وركوبه، ويحلّ «الكشّاف» و «الحاوي» حلّا إليه المنتهى، حتّى قيل: إنه يحفظهما، وكان يقول: أنا حنفي الأصول شافعي الفروع، وكان يدرس دائما بغير مطالعة، وكتب إليه زين الدّين طاهر بن الحسن بن حبيب:
قل لربّ النّدى ومن طلب العلم مجدّا إلى سبيل السّواء
إن أردت الخلاص من ظلمة الجهل فما تهتدي بغير ضياء
فأجاب:
قل لمن يطلب الهداية منّيخلت لمع السّراب بركة ماء
ليس عندي من الضّياء شعاعكيف يبغى الهدى من اسم الضّياء
توفي في ثالث ذي الحجّة من هذه السنة، كما جزم به ابن حجر بالقاهرة.
وفيها عبد الله بن عبد الله الجبرتي صاحب الزاوية بالقرافة، أحد من يعتقد بالقاهرة. مات في سادس عشر المحرم.
وفيها عبد الله بن محمد بن سهل المرسي المغربي، نزيل الإسكندرية، ويعرف بالشيخ نهار.
كان أحد من يعتقد ببلده، ويذكر عنه مكاشفات كثيرة.
مات في جمادى الأولى. قاله ابن حجر.
وفيها عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم ابن العجمي الحلبي.
سمع من أبي بكر أحمد بن العجمي، وسمع منه ابن ظهيرة، والبرهان المحدّث، وغيرهما. وكان شيخا منقطعا عن الناس من بيت كبير.
مات راجعا من الحج في ثالث المحرم.
وفيها محيي الدّين عبد الملك بن عبد الكريم بن يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى القرشي بن الزكي الدمشقي.
كان من بيت كبير بدمشق، وسمع من زينب بنت الكمال وغيرها، وطلب بنفسه واشتغل، وحدّث، وناب في الحكم، ودرّس، وكان من الرؤساء.
مات في ذي القعدة، ولم يكمل الخمسين.
وفيها علي بن صالح بن أحمد بن خلف بن أبي بكر الطّيبي ثم المصري.
سمع من الحجّار ووزيرة، وحدّث عن ابن مخلوف بالسادس من «الثقفيات» سماعا. وسمع منه أبو حامد بن ظهيرة بالقاهرة، ومات في سابع عشر المحرم.
وفيها صلاح الدّين محمد بن تقي الدّين أحمد بن العزّ إبراهيم بن عبد الله ابن أبي عمر محمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصالحي الحنبلي، مسند الدنيا في عصره.
ولد سنة أربع وثمانين وستمائة، وتفرّد بالسماع من الفخر ابن البخاري.
سمع منه «مشيخته» وأكثر «مسند أحمد» و «الشمائل» و «المنتقى الكبير» من «الغيلانيات». وسمع من التّقي الواسطي، وأخيه محمد، وأحمد بن عبد المؤمن الصّوري، وعيسى المغاري، والحسن بن علي الخلّال، والعزّ الفرّاء، والتّقي بن مؤمن، ونصر الله بن عبّاس في آخرين، وأجاز له في سنة خمس وثمانين جماعة من أصحاب ابن طبرزد، وخرّج له الياسوفي «مشيخة»، وحدّث بالإجازة عن النّجم بن المجاور، وعبد الرحمن بن الزّين، وزينب بنت مكّي، وزينب بنت العلم، وأسمع الكثير، ورحل الناس إليه، وتزاحموا عليه، وأكثروا عنه، وكان ديّنا، صالحا، حسن الإسماع، خاشعا، غزير الدّمعة، لا يكاد يمسك دمعته إذا قرئ عليه الحديث أو ذكر ﷺ.
أمّ بمدرسة جدّه، وأسمع الحديث أكثر من خمسين سنة، وقد أجاز لأهل مصر خصوصا من عموم. قال ابن حجر: فدخلنا في ذلك.
مات في شوال عن ست وتسعين سنة وأشهر، ونزل الناس بموته درجة، ودفن بتربة جدّه بسفح قاسيون.
وفيها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي الهوّاري المالكي النحوي الأعمى، رفيق أبي جعفر الرّعيني، وهما المشهوران بالأعمى والبصير.
كان ابن جابر هذا يؤلّف وينظم، والرّعيني يكتب، ولم يزالا هكذا على طول عمرهما إلى أن اتفق أن ابن جابر تزوّج فوقع بينه وبين رفيقه، فتهاجرا، ومات رفيقه في العام الماضي، وكتب ابن فضل الله في «المسالك» عن ابن جابر شيئا من شعره، ومات قبله بدهر، وذكر أنه حرص على أن يجتمع به فلم يتفق ذلك، وذكره الصّلاح الصّفدي في «تاريخه» ومات قبله بكثير.
ومن تصانيف ابن جابر «شرح الألفية» لابن مالك، وهو كتاب مفيد جليل يعتني بإعراب الأبيات، وله «نظم الفصيح» و «نظم كفاية المتحفظ» و «بديعية» نظمها عال، وله شرح على «ألفية ابن معطي» في ثلاث مجلدات، وأجاز لمن أدرك حياته.
وفيها محمد بن إسماعيل بن أحمد الدمشقي الفرّاء الأشقر، الملقب بالقزل.
سمع المزّي، وابن القرشية، والبرزالي، وجماعة من أصحاب ابن عبد
الدائم، وحدّث، وكان دمث الأخلاق يحب أصحاب الحديث وأصحاب ابن تيميّة.
وحفظ القرآن على كبر وحفظه عليه جماعة.
توفي في ربيع الآخر.
وفيها ضياء الدّين محمد بن محمد بن سعيد بن عمر بن علي الهندي الصّغّاني، نزيل المدينة ثم مكة، الفاضل الحنفي، صاحب الفنون.
قال ابن حجر: هو والد صاحبنا شهاب الدّين بن الضّياء قاضي الحنفية الآن بمكة، وقد ادعى والده أنهم من ذرّيّة الصّغّاني، وأن الصّغّاني من ذرّيّة عمر بن الخطاب، وكان الضّياء قد سمع على الجمال المطري، والقطب بن مكرم، والبدر الفارقي، وكان سبب تحوله من المدينة أنه كان كثير المال، فطلب منه جمّاز أميرها شيئا فامتنع، فسجنه، ثم أفرج عنه، فاتفق أنهما اجتمعا بالمسجد، فوقع من جمّاز كلام في حقّ أبي بكر وعمر، ﵄، فكفّره الضياء وقام من المجلس، فتغيب وتوصل إلى ينبع، واستجار بأميرها أبي الغيث، فأرسله إلى مصر، فشنّع على جمّاز، فأمر السلطان بقتله، فقتل في الموسم، فنهب آل جمّاز دار الضّياء، فتحول إلى مكة، فتعصب له يلبغا، فقرّر له درسا للحنفية في سنة ثلاث وستين، فاستمرّ مقيما بمكة إلى أن مات، وكان عارفا بالفقه والعربية، شديد التعصب للحنفية، كثير الوقيعة في الشافعية.
وفيها محمد بن محمد بن عثمان بن أبي بكر الطّبري.
سمع من جدّه عثمان وجماعة بدمشق ومكة، وحدّث، وأخذ عنه السّراج الدّمنهوري وغيره، وكتب الكثير، وتوجّه إلى بلاد الهند سنة ثمان وخمسين، فأقام بها إلى أن مات.
وفيها الأمير موسى بن محمد بن شهري- بضم المعجمة وسكون الهاء- التّركماني، أحد أكابر الأمراء والنوّاب في سيس وغيرها من البلاد الشمالية.
كان يحب العلم ويذاكر، ويفهم كثيرا، ويتمذهب للشافعي، ويقال: إن الباريني أذن له في الإفتاء، وكان ذلك في سنة وفاته، وتوفي في رمضان وقد جاوز الأربعين.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع