من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)
ذكر الزجر عَن قبول قول الوشاة
أَنْبَأَنَا أَبُو يعلى حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أسماء حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونَ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلا يَنُمُّ الْحَدِيثَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على الناس كافة مجانبة الإفكار في السبب الذي يؤدي إلى البغضاء والمشاحنة بين الناس والسعي فيما يفرق جمعهم ويشتت شملهم والعاقل لا يخوض في الإفكار فيما ذكرنا ولا يقبل سعاية الواشي بحيلة من الحيل لعلمه بما يرتكب الواشي من الإثم في العقبى بفعله ذلك
ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا عباس بْن الوليد بْن مزيد عَن أبيه عَن الأوزاعي عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير قَالَ قَالَ سليمان بْن داود لابنه يا بني إياك والنميمة فإنها أحد من السيف
وأنشدني الكريزي
من نم في الناس لم تؤمن عقاربهعلى الصديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسيل بالليل لا يدري به أحدمن أين جاء ولا من أين يأتيه
فالويل للعهد منه كيف ينقضهوالويل للود منه كيف يفتيه
أخبرنا أَحْمَد بْن إِسْحَاق الناقد بواسط حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الجبار حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن عياش عَن أَبِي إِسْحَاق عَن عمرو بْن ميمون قَالَ لما تعجل موسى ابن عمران إلى ربه رأى رجلا تحت العرش فغبطه بمكانه فسأل ربه أن يخبره باسمه قَالَ لكنني أخبرك من عمله بثلاث خصال كان لا يحسد الناس على مَا آتاهم اللَّه من فضله ولا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يعقوب الربعي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إدريس المعدل عَن العتبي قَالَ سمعت أعرابية توصي ابنا لها فقالت عليك بحفظ السر وإياك والنميمة فإنها لا تترك مودة إلا أفسدتها ولا ضغينة إلا أوقدتها
ثم لا بد لمن عرف بها ونسب إلى مقارفتها من أن يحترس من مجالسته وأن لا يوثق بمودته وأن يزهد في مواصلته ومعاشرته
ولذلك يقول أخو ربيعة
تمشيت فينا بالنميم وإنماتفرق بين الأصفياء النمائم
وما زلت منسوبا إلى كل آفةوما زال منسوبا إليك الملائم
لأنك لم تندم لشر فعلتهوما تأت من خير فإنك نادم
أَنْبَأَنَا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه الجشمي حَدَّثَنَا علي بْن مُحَمَّد المدائني قَالَ وشى واش بعبد اللَّه بْن همام السلولي إلى زياد قَالَ فبعث زياد إلى ابن همام فجاء فأدخل الرجل بيتا فقال له زياد يا ابن همام بلغني أنك هجوتني فقال له كلا أصلحك اللَّه مَا فعلت وما أنت لذلك
أهل قَالَ فإن هذا أخبرني وأخرج الرجل فأطرق ابن همام هنيهة ثم أقبل على الرجل فقال
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليافخنت وإما قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننابمنزلة بين الخيانة والإثم
قال فأعجب زياد بجوابه وأدناه وأقصى الساعي ولم يقبل منه
وأنشدني ابن زنجي البغدادي
يمشون في الناس يبغون العيوب لمنلا عيب فيه لكي يستشرف العطب
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علمواشرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
أخبرني مُحَمَّد بْن أَبِي علي حَدَّثَنَا ابن أَبِي شيبه أَبُو جعفر حَدَّثَنَا الحسن بْن صالح قال سمعت حجين بْن المثنى يقول سعى رجل بالليث بْن سعد إلى والي مصر فبعث إليه فدعاه فلما دخل عَلَيْهِ قَالَ له يا أبا الحارث إن هذا أبلغني عنك كذا وكذا فقال له الليث سله أصلح اللَّه الأمير عما أبلغك أهو شيء ائتمناه عَلَيْهِ فخاننا فيه فما ينبغي لك أن تقبل من خائن أو شيء كذب علينا فيه فما ينبغي لك أن تقبل من كاذب فقال الوالي صدقت يا أبا الحارث
أخبرنا ابن حوصا حدثنا عبد الله بن هانيء بْن عَبْد الرحمن عَن ابن ابي علية عَن أبيه عَن عمه إِبْرَاهِيم بْن أَبِي عبلة قَالَ كنت جالسا مع أم الدرداء فأتاها آت فقال يا أم الدرداء إن رجلا نال منك عند عَبْد الملك بْن مروان فقالت إن نؤبن بما ليس فينا فطالما زكينا بما ليس فينا
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل لزوم الإغضاء عما ينقل الوشاة وصرف جميعها إلى الإحسان وترك الخروج الى مالا يليق بأهل العقل مع ترك الإفكار فيما يزري بالعقل لأن من وشى بالشيء إلى إنسان بعينه يكون قصده إلى المخبر أكثر من قصده إلى المخبر به لمشافهته إياه بالشيء الذي يشق عَلَيْهِ
علمه وسماعه
ولقد أحسن الذي يقول
من يخبرك بشتم عَن أخفهو الشاتم لا من شتمك
ذاك شيء لم يشافهك بهإنما اللوم على من أعلمك
كيف لم ينصرك إن كان أخاذا وفاء عند من قد ظلمك
إنما رام بإبلاغ الذينم فيه فاعلمن أن يرغمك
فأهنه إنه من لؤمهإن تهنه بهوان أكرمك
لكن الحر إذا أكرمتهلم يصغرك ولكن فخمك
أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عَبْد اللَّه السويدي قَالَ سمعت العباس ابن ميمون يقول شيع المأمون الحسن بْن سهل ذا الوزارتين فلما بلغا غاية التشييع قَالَ له المأمون يا حسن ألك حاجة قَالَ نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك مالا أستطيع إدراكه إلا بك ويكون بيني وبينك قول كثير عزة
وَكُونِي عَلَى الوَاشِينَ لَدّاءَ شَغبةًكما أَنَا لِلوَاشِي أَلَدُّ شَغُوبُ
أخبرنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خزيمه البصري حَدَّثَنَا حذيفة حَدَّثَنَا عكرمة بْن عمار عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير قَالَ الذي يعمله النمام في ساعة لا يعمله الساحر في شهر
أخبرنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسن الهلالي حَدَّثَنَا أَبُو عوانة البصري حَدَّثَنَا داود بْن شبيب حَدَّثَنَا حماد بْن سلمة قَالَ باع رجل من رجل غلاما له وقال أبرأ إليك من النميمة فاشتراه على ذلك فجاء إلى مولاته فقال إن زوجك ليس يحبك وهو يتسرى عليك ويتزوج أفتر يدين أن يعطف عليك قالت نعم قَالَ خذي موسى فاحلقي به شعرات من باطن لحيته وبخريه بها وجاء إلى الرجل فقال إن امرأتك تبغي وتصادق وهي قاتلتك أفتريد أن يبين لك ذلك قَالَ نعم قَالَ تناوم لها قَالَ فتناوم لها
فجاءت بموسى تحلق الشعر فأخذها فقتلها فأخذه أولياؤها فقتلوه
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه هذا وأمثاله من ثمرة النميمة لأنها تهتك الأستار وتفشي الأسرار وتورث الضغائن وترفع المودة وتجدد العداوة وتبدد الجماعة وتهيج الحقد وتزيد الصد فمن وشى إليه عَن أخ كان الواجب عَلَيْهِ معاتبته على الهفوة إن كانت وقبول العذر إذا اعتذر وترك الإكثار من العتب مع توطين النفس على الشكر عند الحفاظ وعلى الصبر عند الضياع وعلى المعاتبة عند الإساءة
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي
كاف الخليل على المودة مثلهاوإذا أساء فكافه بعتابه
وإذا عتبت على امريء أحببتهفتوق ظاهر عيبه وسبابه
وألن جناحك مَا استلان لودهوأجب أخاك إذا دعا بجوابه
وأنشدني على بْن مُحَمَّد البسامي
أعاتب إخواني وأبقي عليهمولست لهم بعد العتاب بقاطع
وأغفر ذنب المرء إن زل زلةإذا مَا أتاها كارها غير طائع
وأجزع من لوم الحليم وعذلهوما أنا من جهل الجهول بجازع
أخبرني مُحَمَّد بْن علي الخلادي أخبرني مُحَمَّد بْن يزيد النحوي عَن العتبي عَن أبيه قَالَ عتب ابن الزبير على معاوية في شيء فدخل عَلَيْهِ فقال يا أمير المؤمنين اسمع ابياتا أعتبتك فيها قَالَ هات فأنشده
لعمرك مَا أدري وإني لأوجلعلى أينا تعدو المنية أول
وإني على أشياء منك تريبنيكثيرا لذو صفح على ذاك مجمل
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدتهعلى طرف الهجران لو كان يعقل
فقال له معاويه لقد شعرت بعدي يا أبا بكر فدخل عَلَيْهِ معن بْن أوس
المزني بعد ذلك فقال له معاوية هل أحدثت بعدنا شيئا قَالَ نعم ثم أنشده ... لعمرك مَا أدري وإني لأوجل ...
فقال علي بابن الزبير فقال أليس هذا لك فيما زعمت قَالَ أنا ألفت المعنى وهو ألف القوافي وهو بعد ظئري ومهما قَالَ من شيء فأنا قلته فضحك معاوية وكان معن بْن أوس مسترضعا في مزينة سمعت الحسين بْن إِسْحَاق الأصفهاني يقول كتب علي بْن حجر السعدي إلى بعض إخوانه
أحن إلى عتابك غير أنيأجلك عَن عتاب في كتاب
ونحن إذا التقينا قبل موتشفيت غليل صدري من عتابي
وإن سبقت بنا أيدي المنايافكم من عاتب تحت التراب
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش
صَحائِفُ عِندي لِلعِتابِ طَوَيتُهاسَتُنشَرُ يَوماً وَالعِتابُ يَطولُ
كتاب لعمري لا بنان يخطهوسوف يؤديه إليك رَسُول
سأكتب إن لم يجمع اللَّه بينناوإن نجتمع يوما فسوف أقول
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل أن لا يقصر عَن معاتبة أخيه على زلته لأن من لم يعاتب على الزلة لم يكن بحافظ للخلة ومن أعتب لم يذنب كما أن من اغتفر لم يعاقب وظاهر العتاب خير من مكتوم الحقد ورب عتب أنفع من صفح ولذلك أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي
إذا مَا امرؤ ساءتك منه خليقةفكاتمته فالوهن في ذاك تركب
لعلك لو عاتبته ثم لمتهلسرك حتى لم تكن تتعتب
وأنشدني الكريزي
فإن تكن العتبى فأهلا ومرحباوحق لها التعبى لدينا وقلت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنامفاوز لو سارت بها العيس كلت
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا يجب على العاقل أن يناقش على تصحيح الإعتاب بالإكثار مخافة أن يعود المعاتب إلى مَا عوتب عَلَيْهِ لأن من عاتب على كل ذنب أخاه فحقيق أن يمله ويقلاه وإن من سوء الأدب كثرة العتاب كما أن من أعظم الجفاء ترك العتاب والإكثار في المعاتبة يقطع الود ويورث الصد
ولقد أنشدني عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد النقيب البغدادي لابن المعتز
معاتبة الإلفين تحسن مرةفإن أكثروا إدمانها أفسد الحبا
إذا شئت أن تقلى فزر متتابعاوإن شئت أن تزداد حبا فزر غبا
وأنشدني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الصيداوي
إذا كنت في كل الأمور معابتاخليلك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحد أو صل أخاك فإنهمقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذىظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الذُّهْلِيُّ عَنْ أَبِي السَّائِبِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه لا تُكْثِرِ الْعِتَابَ فَإِنَّ الْعِتَابَ يُورِثُ الضَّغِينَةَ وَالْبَغْضَةَ وَكَثْرَتُهُ مِنْ سُوءِ الأَدَبِ
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه قد ذكرت مَا يشاكل هذه الحكايات في كتاب مراعاة الإخوان فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع