تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر صفة الكريم واللئيم

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ بِنَسَا حَدَّثَنَا أَبُو كريب حدثنا عبدة

ابن سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ قَالَ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَنِي قَالُوا نَعَمْ قَالَ خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه أكرم الناس من اتقى اللَّه والكريم التقي والتقوى هي العزم على إتيان المأمورات والانزجار عَن جميع المزجورات فمن صح عزمه على هاتين الخصلتين فهو التقي الذي يستحق اسم الكرم ومن ترى عن استعمالها أو أحدهما أو شعبة من شعبهما فقد نقص من كرمه مثله

ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الأَزْدِيُّ عَنْ أَبِيهِ عن المدائني قال قَالَ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ثَلاثُ خِصَالٍ لا تَجْتَمِعُ إِلا فِي كَرِيمٍ حُسْنُ الْمَحْضَرِ وَاحْتِمَالُ الزَّلَّةِ وَقِلَّةُ الْمَلالَةِ وأنشدني ابن زنجي البغدادي

رأيت الحق يعرفه الكريملصاحبه وينكره اللئيم
إذا كان الفتى حسنا كريمافكل فعاله حسن كريم
إذا ألفيته سمحا لئيمافكل فعاله سمج لئيم

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الكريم لا يكون حقودا ولا حسودا ولا

شامتا ولا باغيا ولا ساهيا ولا لاهيا ولا فاجرا ولا فخورا ولا كاذبا ولا ملولا ولا يقطع إلفه ولا يؤذي إخوانه ولا يضيع الحفاظ ولا يجفو في الوداد يعطي من لا يرجو ويؤمن من لا يخاف ويعفو عَن قدرة ويصل عَن قطيعة

أخبرني مُحَمَّد بْن أَبِي عَلِيٍّ الْخَلادِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن الحسن الذهلي عَن علي بْن مُحَمَّد المرحبي عَن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم العباسي عَن عَبْد اللَّه بْن الحجاج مولى المهدي عَن إِبْرَاهِيم بْن شكلة قَالَ إن لكل شيء حياة وموتا وإن مما يَحْيَى الكرم مواصلة الكرماء وإن مما يحيى اللؤم معاشرة اللئام

وأنشدني الكريزي

وما بال قوم لئام ليس عندهمعهد وليس لهم دين إذا ائتمنوا
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحامنا وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت بهوإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الكريم يلين إذا استعطف واللئيم يقسو إذا ألطف والكريم يجل الكرام ولا يهين اللئام ولا يؤذي العاقل ولا يمازح الأحمق ولا يعاشر الفاجر مؤثرا إخوانه على نفسه باذلا لهم مَا ملك إذا اطلع على رغبة من أخ لم يدع مكافأتها وإذا عرف منه مودة لم ينظر في قلق العداوة وإذا أعطاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء

كما أنشدني الخلادي أنشدنا أَحْمَد بْن أَبِي علي القاضي قَالَ أنشدنا مُحَمَّد بْن مقيس الأزدي

فإن الذي بيني وبين عشيرتيوبين بني عمي لمختلف جدا
إذا قدحوا لي نار حرب بزندهمقدحت لهم في كل مكرمة زندا
وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهموإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «تغربت عن اهلي لأنشر مذهبي»
ولا أحمل الحقد القديم عليهموليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «وإن بادهوني بالعداوة لم أكن»
وأعطيهم مالي إذا كنت واجداوإن قل مالي لم أكلفهم رفدا

أنبأنا ابن حوصا حَدَّثَنَا النحاسي حَدَّثَنَا ضمرة عَن إِبْرَاهِيم بن أبي علية قَالَ رأيت سالم بْن عَبْد اللَّه ومحمد بْن عَبْد العزيز يتسايران بأرض الروم فأبال أحدهما دابته فأمسك عَلَيْهِ الآخر حتى لحقه

أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي بكر بْن خالد اليزيدي عَن قطبة ابن العلاء بْن المنهال قَالَ سمعت المبارك بْن سَعِيد يقول سمعت الأعمش يقول قَالَ الشعبي إن كرام الناس أسرعهم مودة وأبطؤهم عداوة مثل الكوب من الفضة يبطيء الانكسار ويسرع الانجبار وإن لئام الناس أبطؤهم مودة وأسرعهم عداوة مثل الكوب من الفخار يسرع الإنكسار ويبطيء الانجبار

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الكريم من أعطاه شكره ومن منعه عذره ومن قطعه وصله ومن وصله فضله ومن سأله أعطاه ومن لم يسأله ابتدأه وإذا استضعف أحدا رحمه وإذا استضعفه أحد رأى الموت أكرم له منه واللئيم بضد مَا وصفنا من الخصال كلها

ولقد أَنْبَأَنَا أَحْمَد بْن قريش بْن عَبْد العزيز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الذهلي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الخليل حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أيوب عَن أَبِي عيسى قال كان إبراهيم ابن أدهم كريم النفس يخالط الناس بأخلاقهم ويأكل معهم قَالَ فربما اتخد لهم الشواء والجواذبات والخبيص وربما خلا وأصحابه الذين يأنس بهم فيتصارعون قَالَ وكان يعمل عمل رجلين وكان إذا صار إلى نفسه أكل عجينا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه أجمع أهل التجارب للدهر وأهل الفضل في الدين والراغبون في الجميل على أن أفضل مَا اقتنى الرجل لنفسه في الدنيا وأجل مَا يدخر لها في العقبى هو لزوم الكرم ومعاشرة الكرام لأن الكرم يحسن الذكر ويشرف القدر وهو طباع ركبها اللَّه في بني آدم فمن الناس من يكون أكرم من أبيه وربما كان الأب أكرم من ابنه وربما كان المملوك أكرم من مولاه ورب مولى أكرم من مملوكه

ولقد أحسن الذي يقول

رب مملوك إذا كشفتهكان من مولاه أولى بالكرم
فهو ممدوح على أحوالهوترى مولاه يهجى ويذم
وتراه كيف يعلو دائماوترى مولاه من تحت القدم
وفتى تلقى أباه دونهوأبا تلقاه أعلى وأتم
من بنيه ثم لا يعتل إنطلب المعروف منه بالصمم
وكذلك الناس فاعلم ربناقدر الأخلاق فيهم وقسم

وأنشدني الأبرش

رأيت اللين لا يرضى بضيملأن الضيم يسخطه الكريم
وإن اللين أكرم كل شيءفليس يحيه خلق لئيم
فإن نزل الأذى واللين قلبافإن اللين يرحل لا يقيم
ويبقى للأذى في القلب صحبمن البغضاء يلبث لا يريم

حدثنا القطان بالرقة حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ سمعت أَبِي يقول مَا من أحد إلا وله توبة إلا سيء الخلق فإنه لا يتوب من ذنب إلا دخل في شر منه

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الكريم محمود الأثر في الدنيا مرضى العمل

في العقبى يحبه القريب والقاصي ويألفه المتسخط والراضي يفارقه الأعداء واللئام ويصحبه العقلاء والكرام

وما رأيت شيئا أكثر عملا في نقص كرم الكريم من الفقر سواء كان ذلك بالقلب أو بالموجود

ولقد أنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري

لعمرك إن المال قد يجعل الفتىنسيبا وإن الفقر بالمرء قد يزري
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
ولا رفع النفس الدنية كالغنىولا وضع النفس الكريمة كالفقر

حَدَّثَنَا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ جَالِسُوا الْكُبَرَاءَ وَخَالِطُوا الْحُكَمَاءَ وَسَائِلُوا الْعُلَمَاءَ

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.