تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر الحث على لزوم القناعة

حدثنا حسن بْنُ سُفْيَانَ الشَّيْبَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ حَدَّثَنَا محمد ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه قد مكثت برهة من الدهر متوهما أن الأعمش لم يسمع هذا الخبر من ليث بْن أَبِي سليم فدلسه حتى رأيت علي بْن المديني حدث بهذا الخبر عَن الطفاوي عَن الأعمش قَالَ حدثني مجاهد فعلمت حينئذ أن الخبر صحيح لا شك فيه ولا امتراء في صحته

فقد أمر النَّبِيّ ﷺ ابن عمر في هذا الخبر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل فكأنه أمره بالقناعة باليسير من الدنيا إذ الغريب وعابر السبيل لا يقصدان في الغيبة الإكثار من الثروة بل القناعة إليهما أقرب من الإكثار من الدنيا

ولقد أخبرني مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حدثني جعفر بْن سنيد بْن داود حدثني أَبِي حدثني حجاج حَدَّثَنَا عتبة بْن سالم قَالَ قَالَ أكثم بْن صيفي لابنه يا بني من لم يأس على مَا فاته ودع بدنه ومن قنع بما هو فيه قرت عينه وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي

من تمام العيش مَا قرت بهعين ذي النعمة أثرى أو أقل
وقليل أنت مسرور بهلك خير من كثيرفي دغل

وأنشدني ابن زنجي البغدادي

أقول للنفس صبرا عند نائبةفعسر يومك موصول بيسر غد
ما سرني أن نفسي غير قانعهوأن أرزق هذا الخلق تحت يدي

أَنْبَأَنَا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ أَرْبَعُ قَدْ فُرِغَ مِنْهَا الْخَلْقُ وَالْخُلُقُ وَالرِّزْقُ وَالأَجَلُ وَلَيْسَ أَحَدٌ بِأَكْسَبَ مِنْ أَحَدٍ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه من أكثر مواهب اللَّه لعباده وأعظمها خطرا

القناعة وليس شيء أروح للبدن من الرضا بالقضاء والثقه بالقسم ولو لم يكن في القناعة خصلة تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء لطلب الفضل لكان الواجب على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من الأحوال

ولقد أَنْبَأَنَا عمر بْن حفص بْن عمرو البزار حَدَّثَنَا أَبُو مسعود حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عقيل حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم المدني حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن مُحَمَّد بْن المنكدر عَن أبيه قَالَ القناعة مال لا ينفذ

سمعت مُحَمَّد بْن المنذر يقول سمعت عَبْد العزيز بْن عَبْد اللَّه يقول قَالَ مُحَمَّد بن حميد الأكاف

تقنع بالكفاف تعش رخياولا تبغ الفضول من الكفاف
ففي خبز القفار بغير أدموفي ماء الفرات عني وكاف
وفي الثوب المرقع مَا يغطىبه من كل عري وانكشاف
وكل تزين بالمرء زينوأزينه التزين بالعفاف

وأنشدني الكريزي

لعمرك مَا طول التعطل ضائريولا كل شغل فيه للمرء منعفه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
إذا كانت أرزاق في القرب والنوىعليك سواء فاغتنم راحة الدعه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
وإن ضقت فاصبر يفرج اللَّه مَا ترىألا رب ضيق في عواقبه سعه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي

الحمد لله حمدا دائما أبدالقد تزين أهل الحرص والشين
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «يا للمنايا ويا للبين والحين»
لا زين إلا لراض في تقللهإن القنوع لثوب العز والدين

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه العاقل يعلم أن الإنسان لم يوضع على قدر الأحظاء وإن من عدم القناعة لم يزده المال غنى فتمكن المرء بالمال القليل مع

قلة الهم أهنا من الكثير ذي التبعة والعاقل ينتقم من الحرص بالقنوع كما ينتصر من العدو بالقصاص لأن السبب المانع رزق العاقل هو السبب الجالب رزق الجاهل

وأنشدني مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز أنشدنا مُحَمَّد بْن خلف التيمي أنشدني رجل من خزاعة

رأيت الغنى والفقر حظين فسمافأحرم محتال وذو العي كاسب
فهذا ملح دائب غير رابحوهذا مريح رابح غير دائب

وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش

إذا المرء لم يقنع بعيش فإنهوإن كان ذا مال من الفقر موقر
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «إذا المرء لم يقنع بعيش فإنه»
إذا كان فضل الناس يغنيك بينهمفأنت بفضل اللَّه أغنى وأيسر

أخبرنا أَحْمَد بْن سَعِيد القيسي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الوليد بْن أبان حدثنا نعيم بن حماد فال سمعت ابن المبارك يقول مروءة القناعة أفضل من من مروءة الإعطاء

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه القناعة تكون بالقلب فمن غني قلبه غنيت يداه ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه ومن قنع لم يتسخط وعاش آمنا مطمئنا ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته والجد والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد

ولقد أحسن الذي يقول

فما كل مَا حاز الفتى من تلادهبكيس ولا مَا فاته بتوان
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنهسيكفيكه جدان يصطرعان
للشاعر فاطمة بنت مر الخثعمية، اقرأ القصيدة

حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عبيد الله الجثمي عَن المديني قَالَ كان يقال مروءة الصبر عند الحاجة والفاقة بالتعفف والغنى أكثر من مروءة الإعطاء

وأنشدني عمرو بن محمد أنشدنا الغلابي أنشدنا ابن عائشة

غنى النفس يغني النفس حتى يعفهاوإن مسها حتى بها يضر الفقر
وما شدة فاصبر لها إن لقيتهابدائمة إلا سيتبعها يسر

وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد الله بن زنجي البغدادي

فيارب كره جاء من حيث لم تخفومسرور أمر بالذي أنت خائف
ارى الناس مَا لم تبل إخوان ظاهروإن تبل تنكر جل مَا أنت عارف

أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مهدي الأبلي حدثني مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن أَبِي عمر قَالَ سمعت سُفْيَان بْن عيينة وذكر عنده الفضل ابن الربيع وضرباؤه فأنشأ سُفْيَان يقول

كم من قوي قوي في تقلبهمهذب الرأي عنه الرزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلطكأنه من خليج البحر يغترف

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه من نازعته نفسه إلى القنوع ثم حسد الناس على مَا في أيديهم فليس ذلك لقناعة ولا لسخاوة بل لعجز وفشل فمثله كمثل حمار السوء الذي يعرج بخفة حمله ويحزن إذا رأى العلف يؤثر به ذو القوة والحمل الثقيل فالقانع الكريم أراح قلبه وبدنه والشره اللئيم أتعب قلبه وجسمه والكرام أصبر نفوسا واللئام أصبر أجسادا

وأنشدني عمرو بن محمد أنشدنا الغلابي

لعمرك مَا الأرزاق من حيلة الفتىولا سبب في ساحة الحي ثاقب
ولكنها الأرزاق تقسم بينهمفما لك منها غير مَا أنت شارب

وأنشدني مُحَمَّد بن سعيد أنشدني هلال بْن العلاء الباهلي

تجمل إذا مَا الدهر أولاك غلظةفإن الغنى في النفس لا في التمول
يزين لئيم القوم كثرة مالهوما زين الأقوام مثل التجمل

حدثنا الحسين بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا عَبْد العزيز بْن منيب حَدَّثَنَا بْن يَحْيَى الصائغ قَالَ قَالَ الخليل بْن أَحْمَد

إِن لَم يَكُن لَكَ لَحُمٌكَفاكَ خَلُّ وَزَيتُ
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
إن لا يكن ذا وهذافكسرة وبييت
تَظَلُّ فيهِ وَتَأَويحَتّى يَجيئَكَ مَوتُ
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
هذا لعمري كفاففلا يغرك ليت

أنبأنا كامل بْن مكرم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مروان البيروتي حَدَّثَنَا أَبُو مسهر حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَبْد العزيز عَن مُحَمَّد بْن كعب القرظي في قوله تعالى ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ قال القناعة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.