تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر الحث على إقامة المروءات

حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُلَيْمَانَ السَّعْدِيُّ قَالا حَدَّثَنَا عَبْد الوارث بْن عُبَيْد اللَّه الْعَتَكِيُّ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَرَمُ الرَّجُلِ دِينُهُ وَمُرُوءَتُهُ عَقْلُهُ وَحَسَبُهُ خُلُقُهُ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه صرح النَّبِيّ ﷺ في هذا الخبر بأن المروءة هي العقل والعقل اسم يقع على العلم بسلوك الصواب واجتناب الخطأ فالواجب على العاقل أن يلزم إقامة المروءة بما قدر عَلَيْهِ من الخصال المحمودة وترك الخلال المذمومة

وقد نبغت نابغة اتكلوا على آبائهم واتكلوا على أجدادهم في الذكر والمروءات وبعدوا عَن القيام بإقامتها بأنفسهم

ولقد أنشدني منصور بْن مُحَمَّد في ذم من هذا نعته

إن المروءة ليس يدركها امرؤورث المروءة عَن أب فأضاعها
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
أمرته نفس بالدناءة والخناونهته عَن طلب العلى فأطاعها
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
فإذا أصاب من الأمور عظيمةيبني الكريم بها المروءة باعها
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق

خساسة أخلاق الرجال تشينهموقل غناء عنهم النسب المحض
.. يصولون بالآباء في كل مشهدوقد غيبت آباءهم عنهم الأرض
طويل تبديهم بمجد أبيهموما لهم في المجد طول ولا عرض

وأنشدني الحسين بْن أَحْمَد البغدادي

ليس الكريم بمن يدنس عرضهويرى مروءته تكون بمن مضى
حتى يشيد بناءه ببنانهويزين صالح مَا أتوه بما أتى

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه مَا رأيت أحدا أخسر صفقة ولا أظهر حسرة ولا أخيب قصدا ولا أقل رشدا ولا أحمق شعارا ولا أدنس دثارا من المفتخر بالآباء الكرام وأخلاقهم الجسام مع تعريه عَن سلوك أمثالهم وقصد أشباههم متوهما أنهم ارتفعوا بمن قبلهم وسادوا بمن تقدمهم وهيهات أنى يسود المرء على الحقيقة إلا بنفسه وأنى ينبل في الدارين إلا بكده

ولقد أنشدني البسامي

وكم قائل إني ابن بيت هو ابنهوقد هدم البيت الذي مات عامره
فأودى عموداه ورثت حبالهوأصلح أولاه وأفسد آخراه
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة

وأنشدني الأبرش ... فإن قلت لي آباء صدق ومنصب ... كريم وإخوان مضت وجدود صدقت ولكن أنت هدمت مَا بنوا ... بكفك عمدا والبناء جديد وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي

إن لم تكن بفعال نفسك ساميالم يغن عنك سمو من تسمو به
ليس القديم على الحديث براجعإن لم تجده آخذا بنصيبه
ولربما اقترب البعيد بودهوغدا القريب مباعدا لقريبه

أنبأنا الحسين بْن مُحَمَّد بْن مصعب السنجي حَدَّثَنَا أَبُو داود السنجي حَدَّثَنَا عَبْد الرزاق عَن معمر عَن الحسن قَالَ لا دين إلا بمروءة

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه اختلف الناس في كيفية المروءة

فمن قائل قال المروءة ثلاثة إكرام الرجال إخوان أبيه وإصلاحه ماله وقعوده على باب داره

ومن قائل قَالَ المروءة إتيان الحق وتعاهد الضعيف

ومن قائل قَالَ المروءة تقوى اللَّه وإصلاح الضيعة والغداء والعشاء في الأفنية

ومن قائل قَالَ المروءة إنصاف الرجل من هو دونه والسمو إلى من هو فوقه والجزاء بما أتي إليه

ومن قائل قَالَ مروءة الرجل صدق لسانه واحتماله عثرات جيرانه وبذله المعروف لأهل زمانه وكفه الأذى عَن أباعده وجيرانه

ومن قائل قَالَ إن المروءة التباعد من الخلق الدني فقط

ومن قائل قَالَ المروءة أن يعتزل الرجل الريبة فإنه إذا كان مريبا كان ذليلا وأن يصلح ماله فإن من أفسد ماله لم يكن له المروءة والإبقاء على نفسه في مطعمه ومشربه

ومن قائل قَالَ المروءة حسن العشرة وحفظ الفرج واللسان وترك المرء مَا يعاب منه

ومن قائل قَالَ المروءة سخاوة النفس وحسن الخلق

ومن قائل قَالَ المروءة العفة والحرفة أي يعف عما حرم اللَّه ويحترف فيما أحل اللَّه

ومن قائل قَالَ المروءة كثرة المال والولد

ومن قائل قَالَ المروءة إذا أعطيت شكرت وإذا ابتليت صبرت وإذا قدرت غفرت وإذا وعدت أنجزت

ومن قائل قَالَ المروءة حسن الحيلة في المطالبة ورقة الظرف في المكاتبة

ومن قائل قَالَ المروءة اللطافة في الأمور وجودة الفطنة

ومن قائل قَالَ المروءة مجانبة الريبة فإنه لا ينبل مريب وإصلاح المال فإنه لا ينبل فقير وقيامه بحوائج أهل بيته فإنه لا ينبل من احتاج أهل بيته إلى غيره

ومن قائل قَالَ المروءة النظافة وطيب الرائحة

ومن قائل قَالَ المروءة الفصاحة والسماحة

ومن قائل قَالَ المروءة طلب السلامة واستعطاف الناس

ومن قائل قَالَ المروءة مراعاة العهود والوفاء بالعقود

ومن قائل قَالَ المروءة التذلل للأحباب بالتملق ومداراة الأعداء بالترفق

ومن قائل قَالَ المروءة ملاحة الحركة ورقة الطبع

ومن قائل قَالَ المروءة هي المفاكهة والمباسمة

حدثنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا سويد بْن سَعِيد حَدَّثَنَا مسلم بْن عُبَيْد أَبُو فراس قَالَ قال ربيعه المروءه مروئتان فللسفر مروءة وللحضر مروءة

فأما مروءة السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير مساخط اللَّه

وأما مروءة الحضر فالإدمان إلى المساجد وكثرة الإخوان في اللَّه وقراءة القرآن

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه اختلفت ألفاظهم في كيفية المروءة ومعاني مَا قالوا قريبة بعضها من بعض

والمروءة عندي خصلتان اجتناب مَا يكره اللَّه والمسلمون من الفعال واستعمال مَا يحب اللَّه والمسلمون من الخصال

وهاتان الخصلتان يأتيان على مَا ذكرنا قبل من اختلافهم واستعمالهما هو العقل نفسه كما قَالَ المصطفى ﷺ إن مروءة المرء عقله

ومن أحسن مَا يستعين به المرء على إقامة مروءته المال الصالح

ولقد أنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي

احتل لنفسك أيها المحتالفمن المروءة أن يرى لك مال
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
كم ناطق وسط الرجال وإنماعنهم هناك تكلم الأموال
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل أن يقيم مروءته بما قدر عَلَيْهِ ولا سبيل إلى إقامة مروءته إلا باليسار من المال فمن رزق ذلك وضن بإنفاقه في إقامة مورءته فهو الذي خسر الدنيا والآخرة ولا آمن أن تفجأه المنية فتسلبه عما ملك كريها وتودعه قبرا وحيدا ثم يرث المال بعد من يأكله ولا يحمده وينفقه ولا يشكره فأي ندامة تشبه هذه وأي حسرة تزيد عليها

ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي

يا جامع المال في الدنيا لوارثههل أنت بالمال قبل الموت منتفع
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «أما بيوتك في الدنيا فواسعة»
قدم لنفسك قبل الموت في مهلفإن حظك بعد الموت منقطع

أنبأنا المفضل بْن مُحَمَّد الجندي بمكة حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الطبري حدثنا أزهر عن ابن عون عَن ابن سيرين قَالَ ثلاثة ليست من المروءة الأكل في الأسواق والادهان عند العطار والنظر في مرآة الحجام حدثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الثقفي حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يعقوب الطالقاني حَدَّثَنَا هشيم عن مغيرة عَن الشعبي قَالَ ليس من المروءة النظر في مرآة الحجام

حدثنا مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن الحسن العمي ببغداد حَدَّثَنَا الصلت بْن مسعود حَدَّثَنَا حماد بْن زيد حَدَّثَنَا أيوب قَالَ سمعت أبا قلابة يقول ليس من المروءة أن يربح الرجل على صديقه

وأنشدني البسامي

اعلم بأنك لا أبالك في الذيأصبحت تجمعه لغيرك خازن
إِنَّ المَنِيَّةَ لا تُؤامِرُ مَن أَتَتفي نَفسِهِ يَوماً وَلا تَستَأذِنُ
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «سبق القضاء بكل ما هو كائن»

أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا ابن عائشة عَن أبيه قَالَ كان

يقال مجالسة أهل الديانة تجلو عَن القلب صدأ الذنوب ومجالسة ذوي المروءات تدل على مكارم الأخلاق ومجالسة العلماء تذكي القلوب

حدثني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الْخَلادِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ حَمَّادٍ الْبَرْبَرِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْخٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ عَوَانَةَ قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ آفَةُ الْمُرُوءَةِ إِخْوَانُ السُّوءِ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه والواجب على العاقل تفقد الأسباب المستحقرة عند العوام من نفسه حتى لا يثلم مروءته فإن المحقرات من ضد المروءات تؤذي الكامل في الحال بالرجوع في القهقري إلى مراتب العوام وأوباش الناس

ولقد حَدَّثَنَا جعفر بْن مُحَمَّد الهمداني بصور قَالَ سمعت طلحه بن إسحاق ابن يعقوب قَالَ سمعت موسى بْن إِسْحَاق الأنصاري يقول سمعت علي بْن حكيم الأودي يقول سمعت شريكا يقول ذل الدنيا خمسة دخول الحمام سحرا بلا كرنيب وعبور المعبر بلا قطعة وحضور مجلس العلم بلا نسخة وحاجة الشريف إلى الدني وحاجة الرجل إلى امرأته

حَدَّثَنَا أَبُو شُعْبَةَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِصْطَخْرِيُّ حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن محمد ابن مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الرَّمْلِيُّ حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ زَيْدٍ عَن عكرمه عن ابن عباس قَالَ مِنْ قِلَّةِ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ نَظَرُهُ فِي بَيْتِ الْحَائِكِ وَحَمْلُهُ الْفُلُوسَ فِي كُمِّهِ

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.