تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر الزجر عَن تهاجر المسلمين كافة

حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَبَاغَضُوا وَلا تَنَافَسُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا يحل التباغض ولا التنافس ولا التحاسد ولا التدابر بين المسلمين والواجب عليهم أن يكونوا إخوانا كما أمرهم اللَّه ورسوله فإذا تألم واحد منهم تألم الآخر بألمه وإذا فرح فرح الآخر بفرحه ينفي الغش والدغل مع استسلام الأنفس لله عز وجل مع الرضا بما يوجب القضاء في الأحكام كلها ولا يجب الهجران بين المسلمين عند وجود زلة من أحدهما بل يجب عليهما صرفها إلى الإحسان والعطف عَلَيْهِ بالإشفاق وترك الهجران

ولقد حدثني مُحَمَّد بْن المهاجر حدثني موسى بْن مُحَمَّد الأخباري عَن النميري حدثني مُحَمَّد بْن يَحْيَى النكتاني قَالَ أنشدني أَبُو غزية لمعاوية بْن عَبْد اللَّه بْن جعفر

لا يُزهِدَنَّكَ في أَخٍلَكَ أَن تَــــراهُ زَلَّ زَلَّه
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
والمرء يطرحه الذينيلونه في شر أله
وَيَخونُهُ مِن مَأمَنٍأَهلُ البِطانَةِ وَالدِخِلَّه
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
وَالمَوتُ أَعظَمُ حادِثٍمِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّه
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

أنشدني مُحَمَّد بْن الحسن بن قتيبة أنشدني حميد بْن عياش

ولا تك في حب الأخلاء مفرطافإن أنت أبغضت البغيض فأجمل
فإنك لا تدري متى أنت مبغضحبيبك أو تهوى البغيض فاعقل

وأنشدني عمرو بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه النسوي لثعلب

وما صدود ذوات الدل يرمضنيلكنما الموت عندي صد إخواني
إني لأصبر من عود به جلبعند الملمات إلا عند هجران
إذا رأيت أزورارا من أخي ثقةضاقت علي برحب الأرض أوطانى

وأنشدني الأبرش

أُبلُ الرِجالَ إِذا أَرَدتَ إِخاءَهُموَتَوَسَّمَنَّ أُمورَهُم وَتَفَقَّدِ
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
فإذا ظفرت بذي اللبابة والتقىفبه اليدين قرير عين فاشدد
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «أبل الرجال أردت إخاءهم»
فمتى يزل ولا محالة زلةفعلى أخيك بفضل حلمك فاردد
وإذا الخنى نقض الحبى في مجلسورأيت أهل الطيش قاموا فاقعد

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا يجب للمرء أن يدخل في جملة العوام والهمج بإحداث الود لإخوانه وتكديره لهم بالخروج بالسبب الذي يؤدي إلى الهجران الذي نهى المصطفى ﷺ عنه بينهم بل يقصد قصده الإغضاء عَن ورود الزلات ويتحرى ترك المناقشة على الهفوات ولا سيما إذا قِيلَ في أحدهم الشيء الذي يحتمل أن يكون حقا وباطلا معا فإن الناس ليس يخلو وصلهم من رشق أسهم العذال فيه

ولقد سمعت مُحَمَّد بْن عثمان العقبي يقول سمعت عَبْد العزيز بْن عَبْد اللَّه يقول قَالَ مُحَمَّد بْن حميد

ومن ذا من عيوب الناس ناجبحق قِيلَ فيه أو قراف
.. قبيح بي إذا خاللت خلاولازم خلتي أن لا أكافي
وكل مودة لا خير فيهاإذا لم تحتمل حق المصافي
فأما في الكلام فكم وفيولكن في الشدائد لا يوافي
إذا أحببت لم أنقض إخائيولم أبن الإخاء على اعتساف
ولكن أمنح الكرماء وداولا أدعو اللئام إلى العطاف
متى تقطع صديقك بعد وصلولا تثبت فعهدك غير واف
إذا مَا المرء أدبر لم تطقهوصار المستقيم إلى خلاف

سمعت مُحَمَّد بْن المنذر يقول سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد الرحمن يقول سمعت أبا عمار الحسين بْن حريث يقول قِيلَ لرجل ألك عيوب قَالَ لا قِيلَ له فلك من يلتمسها قَالَ نعم قَالَ فما أكثر عيوبك

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه السبب المؤدي إلى الهجران بين المسلمين ثلاثة أشياء إما وجود الزلة من أخيه ولا محالة يزل فلا يغضي عنها ولا يطلب لها ضدها وإبلاغ واش يقدح فيه ومشي عاذل بثلب له فيقبله ولا يطلب لتكذيبه سببا ولا لأخيه عذرا وورود ملل يدخل على أحدهما فإن الملالة تورث القطع ولا يكون لملول صديق

ولقد أخبرني مُحَمَّد بْن أَبِي عَلِيٍّ الْخَلادِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن إِبْرَاهِيم اليعمري حدثني عَبْد الرحمن بن إبراهيم الأصبهاني أنشدني بعض أهل الأدب

إن الملولة ودهمثل السراب يذم ورده
أو كالسحاب الزائد البراقلم يصدقك وعده
أو كالحسام هززتهعند الضراب فكل حده
لا تقبلن إخاءهفوعيده كذب ووعده
بينا يودك رأىعينيك إذ بدا لك منه صده
.. وتغيرت أخلاقهوازور حتى مال خده

أنبأنا مُحَمَّد بْن يعقوب الخطيب بالأهواز حَدَّثَنَا معمر بْن سهل حدثنا إبراهيم ابن بشار عَن سُفْيَان قَالَ كان لابن شبرمة أخ فجفاه فكتب إليه

كِلانا غَنيٌّ عَن أَخيهِ حَياتَهُوَنَحنُ إِذا مِتنا أَشَدُّ تَغانِيا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «وعين الرضا عن كل عيب كليلة»

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام فمن فعل ذلك كان مرتكبا لنهي النَّبِيّ ﷺ وخيرهما الذي يبدأ بالسلام والسابق بالسلام يكون السابق إلى الجنه ومن هجر أخاه سنة كان كسفك دمه ومن مات وهو مهاجر أخاه دخل النار إن لم يتفضل الله عَلَيْهِ بعفو منه ورحمة وغاية مَا أبيح من الهجران بين المسلمين ثلاثة أيام ولقد أنشدني عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الأنماطي قَالَ أنشدني مُحَمَّد بْن الحسن

يا سيدي عندك لي مظلمهفاستفت فيها ابن أَبِي خيثمه
فإنه يرويه عن شيحهقَالَ روى الضحاك عَن عكرمه
عن ابن عباس عَن المصطفىنبينا المبعوث بالمرحمه
أن صدود الخل عَن خلهفوق ثلاث ربنا حرمه

وأنشدني مُحَمَّد بْن شاه الأبيوردي بالموصل

ماودني أحد إلا بذلت لهصفو المودة مني آخر الأبد
ولا جفاني وإن كنت المحب لهإلا دعوت له الرحمن بالرشد
وَلا اِئتُمِنتُ عَلى سِرٍّ فَبُحتُ بِهِوَلا مَدَدتُ إِلى غَيرِ الجَميلِ يَدي
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ما ودني أحد إلا بذلت له»
ولا أخون خليلي في خليلتهحتى أغيب في الأكفان واللحد

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن شجاع حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سماعة

قَالَ جئت يوما إلى أَبِي علي المصري أسلم عَلَيْهِ قَالَ فبش بي واحتملني في حجرة ثم قَالَ

حسبي بوصلك في حياتي لذةورضيت في ذاك المعاد ثوابا
لو كنت رزقي مَا أردت زيادةولقلت أحسن خالقي وأطابا

ذكر الحث على لزوم الحلم عند الأذى

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لا حَلِيمَ إِلا ذُو عَثْرَةٍ وَلا حليم إِلا ذُو تَجْرِبَةٍ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه هذا الخبر في الضرب الذي ذكرت في كتاب فصول السنن بأن العرب تضيف الاسم إلى الشيء للقرب من التمام وتنفي الاسم عن الشيء للنقص من الكمال فلما كان الغالب على المرء أن لا يكون حليما حتى يكون ذا عثرة نفى النَّبِيّ ﷺ اسم الحليم عمن لم يكن بذي عثرة لنقصه عَن الكمال

فالحليم عظيم الشأن رفيع المكان محمود الأمر مرضي الفعل والحلم اسم يقع على زم النفس عَن الخروج عند الورود عليها ضد مَا تحب إلى مَا نهي عنه

فالحلم يشتمل على المعرفة والصبر والأناة والتثبت ولم يقرن شيء إلى شيء أحسن من عفو إلى مقدرة

والحلم أجمل مَا يكون من المقتدر على الانتقام

ولقد حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الحسن بْن عَبْد الجبار الصوفي ببغداد حَدَّثَنَا يَحْيَى ابن معين قَالَ حَدَّثَنَا الحسن بْن واقع عَن ضمرة قَالَ الحلم أرفع من العقل لأن اللَّه تبارك وتعالى تسمى به

وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بن زنجي البغدادي

ألم تر أن الحلم زين مسودلصاحبه والجهل للمرء شائن
فكن دافنا للشر بالخير تسترحمن الهم إن الخير للشر دافن

وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي

إِذا شِئتَ يَوماً أَن تَسودَ عَشيرَةًفَبِالحُلمِ سُدْ لا بِالتَّسَرُّعِ وَالشَّتْمِ
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
وللحلم خير فاعلمن مغبةمن الجهل إلا أن تشر سن من الظلم
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي

فارض بما حم من قضاءيصبك من ذلك الخيار
وعش حميدا رخي بالمَا زانك الحلم والوقار

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه إن من نفاسة اسم الحلم وارتفاع قدره أن اللَّه جل وعلا تسمى به ثم لم يسم بالحلم في كتابه أحدا إلا إِبْرَاهِيم خليله وإسحاق ذبيحه حيث قَالَ ﴿إن إِبْرَاهِيم لآواه حليم﴾ وقال ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾

ولو لم يكن في الحلم خصلة تحمد إلا ترك اكتساب المعاصي والدخول في المواضع الدنسة لكان الواجب على العاقل أن لا يفارق الحلم مَا وجد إلى استعماله سبيلا

والحلم سجية أو تجربة أو هما

حدثنا أَبُو حمزة مُحَمَّد بْن عمر بْن يُوسُف حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سَعِيد الكندي حَدَّثَنَا أَبُو أسامه عَن هشام بْن عروة عَن أبيه قَالَ سمعت معاوية بْن أَبِي سُفْيَان يقول لا حلم إلا بالتجربة

وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري

صاف الصديق بودهوإذا دنا شبرا فزده
واحلم إذا نطق السفيهفمن يرد جهلا يجده

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ وَمَنْ يَتَوَخَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ

وأنشدني الكريزي

إذا أنا كافيت الجهول بفعلهفهل أنا إلا مثله إذ أحاوره
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
ولكن إذا مَا طاش بالجهل طائشعلي فإني بالتحلم قاهره
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

أنبأنا أَحْمَد بْن الحسن بْن عَبْد الجبار حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن معين حَدَّثَنَا عثمان ابن صالح حَدَّثَنَا ابن وهب عَن عمرو بْن الحارث أن رجلا كتب إلى أخ له اعلم أن الحلم لباس العلم فلا تعرين منه

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه العاقل يلزم الحلم عَن الناس كافة فإن صعب ذلك عَلَيْهِ فليتحالم لأنه يرتقي به إلى درجة الحلم

وأول الحلم المعرفة ثم التثبت ثم العزم ثم التصبر ثم الصبر ثم الرضا ثم الصمت والإغضاء وما الفضل إلا للمحسن إلى المسيء فأما من أحسن إلى المحسن وحلم عمن لم يؤذه فليس ذلك بحلم ولا إحسان

ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن زكريا حدثنا عبد الصمد ابن حسان حدثنا أو عمر المازني عَن وهب بْن منبه أنه قال يا بني لا تجادلن العلماء فتهون عليهم فيرفضوك ولا تمارين السفهاء فيجهلوا عليك ويشتموك فإنه يلحق بالعلماء من صبر ورأى رأيهم وينجو من السفهاء من صمت وسكت عنهم ولا تحسبن أنك إذا ماريت الفقيه إلا زدته غيظا دائبا ولا تحمين من قليل تسمعه فيوقعك في كثير تكرهه ولا تفضح نفسك لتشفي غيظك فإن جهل عليك جاهل فلينفعن إياك حلمك وإنك إذا لم تحسن حتى يحسن إليك فما أجرك وما فضلك على غيرك فإذا أردت الفضيلة فأحسن إلى من أساء إليك واعف عمن ظلمك وانفع من لم ينفعك وانتظر ثواب ذلك من قبل الله فإن الحسنة الكاملة التي لا يريد صاحبها عليها ثوابا في الدنيا

وأنشدني مُحَمَّد بْن حبيب الواسطي

إذا المرء لم يصرف عذابا من الأذىحياء ولم يغفر لأخرق مذنب
فلم يصطنع إلا قليلا صديقهومن يدفع العوراء بالحلم يغلب

وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش

احفظ لسانك إن لقيت مشاتمالا تجرين مع اللئيم إذا جرى
من يشتري عرض اللئيم بعرضهيحوي الندامة حين يقبض مَا اشترى

أنبأنا إِبْرَاهِيم بْن نصر العنبري حَدَّثَنَا علي بْن الأزهر الرازي حدثنا إبراهيم ابن رستم قَالَ سمعت ابن المبارك يقول دعانا عَبْد اللَّه بْن عون إلى طعامه فكنا نأكل فجاءت الخادم ومعها صحفة فعثرت في ثوبها فسقطت الصحفة من يدها فقال لها ابن عون مترس آزادي

حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا ابن عائشة قَالَ قَالَ مُحَمَّد بْن

السعدي لابنه عروة لما ولى اليمن إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض تحتك ثم عظم خالقهما

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل إذا غضب واحتد أن يذكر كثرة حلم اللَّه عنه مع تواتر انتهاكه محارمه وتعديه حرماته ثم يحلم ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي

والناس على ضروب ثلاثة رجل أعز منك ورجل أنت أعز منه ورجل ساواك في العز فالتجاهل على من أنت أعز منه لؤم وعلى من هو أعز منك جنف وعلى من هو مثلك هراش كهراش الكلبين ونقار كنقار الديكين ولا يفترقان إلا عَن الخدش والعقر والهجر ولا يكاد يوجد التجاهل وترك التحالم إلا من سفيهين ولقد أحسن الذي يقول

ما تم حلم ولا علم بلا أدبولا تجاهل في قوم حليمان
وما التجاهل إلا ثوب ذي دنسوليس يلبسه إلا سفيهان

وأنشدني ابن زنجي البغدادي

وما شيء أسر الى لئيمإذا شتم الكرام من الجواب
متاركة اللئيم بلا جوابأشد عَلَيْهِ من مر العذاب

وأنشدني الكريزي

تجرد مَا استطعت من السفيهبحسن الحلم إن العز فيه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
فقد يعصي السفيه مؤدبيهويبرم باللجاجة منصفيه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
تلين له فيغلظ جانباهكعير السوء يرمح عالقيه

أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا الحسن بْن مُحَمَّد الأزدي الكوفي حَدَّثَنَا عمر بْن حفص بْن غياث عَن أبيه قَالَ كنت جالسا عند جعفر بْن مُحَمَّد ورجل

يشكو رجلا عنده قال لي كذا وفعل لى كذا فقال له جعفر من أكرمك فأكرمه ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه مَا ضم شيء إلى شيء هو أحسن من حلم إلى علم وما عدم شيء في شيء هو أوحش من عدم الحلم في العالم ولو كان للحلم أبوان لكان أحدهما العقل والآخر الصمت وربما يدفع العاقل الى الوقت بعد الوقت إلى من لا يرضيه عنه الحلم ولا يقنعه عنه الصفح فحينئذ يحتاج إلى سفيه ينتصر له لأن ترك الحلم في بعض الأوقات من الحلم

ولقد حدثني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا يزيد بْن عَبْد الصمد حَدَّثَنَا عَبْد الرحمن ابن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا الوليد عَن سَعِيد بْن عَبْد العزيز أن رجلا استطال على سليمان بْن موسى فسكت له سليمان وانتصر له أخوه قَالَ فقال مكحول ذل من لا سفيه له

حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرحمن ابن القاسم عَن أبيه قَالَ قَالَ أَبُو حنيفة لشيطان الطاق مَا تقول في المتعة قَالَ حلال قَالَ فيسرك أن أمك تزوجت متعة فسكت عنه ساعة ثم قَالَ يا أبا حنيفة مَا تقول في النبيذ قَالَ حلال قال وشربه وبيعه وشاؤه قَالَ نعم قَالَ فيسرك أن أمك نباذة قَالَ فسكت عنه ابو حنيفه

أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي

إذا كنت بين الحلم والجهل قاعداوخيرت أنى شئت فالحلم أفضل
ولكن إذا أنصفت من ليس منصفاولم يرض منك الحلم فالجهل أفضل

وأنشدني مُحَمَّد بْن حبيب الواسطي

إذا أمن الجهال جهلك مرةفعرضك للجهال غنم من الغنم
فعم عَلَيْهِ الجهل والحلم والقهبمرتبة بين العداوة والسلم
.. فيرجوك تارات ويخشاك تارةوتأخذ فيما بين ذلك بالحزم

حدثنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا يزيد بْن عَبْد الصمد الدمشقي حَدَّثَنَا أَبُو مسهر حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَبْد العزيز عَن مكحول قَالَ لا حلم لمن لا جاهل له

وحدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق قَالَ قَالَ المأمون يحسن بالملوك الحلم عَن كل أحد إلا عَن ثلاثة قادح في ملك أو مذيع لسر أو متعرض لحرمة

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الحلم على ضربين أحدهما مَا يرد على النفس من قضاء اللَّه من المصائب التي امتحن اللَّه بها عباده فيصبر العاقل تحت ورودها ويحلم عَن الخروج إلى مَا لا يليق بأهل العقل

والآخر مَا يرد على النفس بضد مَا تشتهيه من المخلوقين فمن تعود الحلم فليس بمحتاج إلى التصبر لاستواء العدم والوجود عنده

كما حدثنا أَبُو حمزة مُحَمَّد بْن يُوسُف بْن عمر بنسا حَدَّثَنَا يعقوب بْن إِبْرَاهِيم الدورقي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صالح العجلي قَالَ سمعت ابن أَبِي عتبة يقول قِيلَ للأحنف بْن قيس التميمي ممن تعلمت الحلم قَالَ من قيس بْن عاصم التميمي أتاه آت وهو محتب فقال ابن أخيك قتل ابنك قَالَ عصى ربه وفت عضده وقطع رحمه جهزوه وما حل حبوته فمنه تعلمت الحلم

حدثنا مُحَمَّد بْن شاذل الهاشمي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الخليل البغدادي حَدَّثَنَا علي بن الحسين بْن شقيق أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه عَن جعفر بْن سليمان قَالَ كانت امرأة بالبصرة متعبدة تصيبها المصائب فننكر من صبرها حتى أصابتها مصيبة موجعه فصبرت فذكرت ذلك لها فقالت مَا من مصيبة تصيبني فأذكر معها النار إلا صارت في عيني مثل التراب

حدثنا بَكْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الطاحي بالبصرة حَدَّثَنَا عمرو بْن إِسْحَاق بْن خلاد الجهضمي حَدَّثَنَا خالد بْن خداش حَدَّثَنَا ابن وهب عَن بكر بْن مضر

قَالَ كان أَبُو الهيثم مات ولده وبقى له بني صغير فمات فأتاه إخوانه يعزونه وهو في ناحية المسجد فقال لهم تركني حزن يوم القيامة لا آسى على شيء فاتني ولا أفرح لما أتاني

حدثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الثقفي حَدَّثَنَا القاسم بْن الحسن الزبيدي حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم قَالَ مات ابن لشريح فلم يصيحوا عَلَيْهِ ولم يشعر به أحد فقيل له يا أبا آمنة كيف هو قَالَ قد سكن علزه ورجاه أهله ولم يكن منذ اشتكى أسكن منه الليلة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.