تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر الحث على لزوم كتمان السر

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ فَارِسٍ الدَّلالُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا الهيثم بن أيوب العطار السلمي حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ أَبِي غَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَعِينُوا عَلَى الحوائج بكتمان السر فَإِنَّ لِكُلِّ نِعْمَةٍ حَاسِدًا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه هذا إساند حسن وطريق غريب إن كان عروة هذا هو ابن الزبير بْن العوام وسعيد بْن سلام مَا أرى حفظ حديثه فلذلك تنكبت عَن ذكره

فالواجب على من سلك سبيل ذوي الحجى لزوم مَا انطوى عَلَيْهِ الضمير بتركه إبداء المكنون فيه لا إلى ثقة ولا إلى غيره فإن الدهر لا بد من أن يضرب ضرباته فيوقع ضد الوصل بينهما بحالة من الأحوال فيخرجه وجود ضد مَا انطوى عَلَيْهِ قديما من وفائه إلى صحة الخروج بالكلية إلى جفائه بإبداء مكتوماته والكشف عَن مخبآته

وَلَقَدْ أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حدثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ بَكِيرٍ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ عَجِبْتُ مِنَ الرَّجُلِ يَفِرُّ مِنَ الْقَدَرِ وَهُوَ مُوَاقِعُهُ وَمِنَ الرَّجُلِ يَرَى الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ وَيَدَعُ الْجِذْعَ في عينه ومن الرجل يحرج الضِّغْنَ مِنْ مَوْضِعٍ وَيَدَعُ الضِّغْنَ فِي نَفْسِهِ وَمَا نَدِمْتُ عَلَى أَمْرٍ قَطُّ فَلُمْتُ نَفْسِي عَلَى تَنَدُّمِي عَلَيْهِ وَمَا وَضَعْتُ سِرِّي عِنْدَ أَحَدٍ فَلُمْتُهُ عَلَى أَنْ يفشيه كيف ألومه وقد حنقت بِهِ وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي

تبيح بسرك ضيقا بهوتبغي لسرك من يكتم
وكتمانك السر ممن تخافومن لا تخافنه أحزم
للشاعر الحسين بن علي بن أحمد، من قصيدة «تبوح بسرك ضيقاً به»
إذا ذاع سرك من مخبرفأنت وإن لمته ألوم

وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان

إذا ضاق صدر المرء عَن بعض سرهفألقاه في صدري فصدري أضيق
ومن لامني في أن أضيع سرهوضيعه قبلي فذو السر أخرق

أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الصَّيْدَاوِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ المدائني قَالَ كان يقال أصبر الناس الذي لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شيء فيفشيه وأنشدني البغدادي

صن السر بالكتمان يرضيك غبهفقد يظهر المرء المضيع فيندم
فلا تلجئن سرا إلى غير حرزهفيظهر حرز السوء مَا كنت تكتم

وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي

إذا المرء لم يحفظ سريرة نفسهوكان لسر الأخ غير كتوم
فبعدا له من ذي أخ ومودةوليس على ود له بمقيم

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه من حصن بالكتمان سره تم له تدبيره وكان له الظفر بما يريد والسلامه من العيب والضرر وإن أخطأه التمكن والظفر والحازم يجعل سره في وعاء ويكتمه عَن كل مستودع فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له لأن السر أمانة وإفشاؤه خيانة والقلب له وعاؤه فمن الأوعية مَا يضيق بما يودع ومنها مَا يتسع لما استودع وأنشدني الكريزي

اجعل لسرك من فؤادك منزلالا يستطيع له اللسان دخولا
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
إن اللسان إذا استطاع إلى الذيكتم الفؤاد من الشئون وصولا
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
ألفيت سرك في الصديق وغيرهمن ذي العداوة فاشيا مبذولا
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري

سأكتمه سري وأكتم سرهولا غرني أني عَلَيْهِ كريم
حليم فيفشي أو جهول يذيعهوما الناس إلا جاهل وحليم

أخبرني مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد حدثني علي بْن عيسى عن محمد عن ابن الأعرابي قَالَ كان يقال العاقل من حذر صديقه

وأنشدني بعض إخواننا

لعمرك كتمان الفتى سر مَا نوىأعف وأدنى للرشاد وأكرم
وأجمل في بث الحديث مقالةوأحسن في الأخلاق دوما وأحزم

وأنشدني الكريزي

إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرهافأنت إذا حملته الناس أضيع
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
ويضحك في وجهي إذا ما لقيتهوينهشني بالغيب يوما ويلسع
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز وما كتمه المرء من عدوه فلا يجب أن يظهره لصديقه وكفى لذوي الألباب عبرا مَا جربوا ومن استودع حديثا فليستر ولا يكن مهتاكا ولا مشياعا لأن السر إنما سمي سرا لأنه لا يفشى

فيجب على العاقل أن يكون صدره أوسع لسره من صدر غيره بأن لا يفشيه ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن يعقوب الأعلم قَالَ أنشدني مُحَمَّد بْن سليمان بْن سلام الجمحي لرجل من عَبْد شمس

إذا مَا ضاق صدرك عَن حديثفأفشاه الرجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثيوسري عنده فأنا الظلوم
للشاعر شاعر مجهول، من قصيدة «إذا عاتبت من أفشى حديثي»
وإني يوم أسأم حمل سريوقد ضمنته صدري سؤوم
فلست محدثنا سري خليليولا نفسي إذا حضرت هموم
وأطوي السر دون الناس إنيلما استودعت من سر كتوم

وأنشدني علي بْن حيدة الكاتب قَالَ أنشدنا عَبْد الرحمن بْن بندار لشيطان الطاق

أمت السر بكتمان ولايسمعن منك إذا استودعت سر
فإذا ضقت به ذرعا فلاتضعن سرك إلا عند حر

أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا الرمادي حَدَّثَنَا مسدد قَالَ سمعت ابن

داود يقول سمعت الأعمش يقول يضيق صدر أحدهم بسره حتى يحدث به ثم يقول اكتمه علي

وأنشدني إِبْرَاهِيم بْن علي الظفري أنشدني الحسين بْن عُبَيْد اللَّه

لا يكتم السر إلا من له شرفوالسر عند كرام الناس مكتوم
السر عندي في بيت له غلقضلت مفاتيحه والباب مختوم

أنبأنا الخلادي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن شجاع البياضي قَالَ أنشدنا عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد

وإني لأنسى السر كيما أصونهفيامن رأى شيئا يصان بأن ينسى
مخافة أن يجري ببالي ذكرهفيخلسه قلبي إلى منطقي خلسا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي والرأي بتحصين الأسرار ومن كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يده ومن أنبأ الناس بأسراره هان عليهم وأذاعوها ومن لم يكتم السر استحق الندم ومن استحق الندم صار ناقص العقل ومن دام على هذا رجع إلى الجهل

فتحصين السر للعاقل أولى به من التلهف بالندم بعد خروجه منه ولقد أحسن الذي يقول

خشيت لساني أن يكون خؤونافأودعته قلبي فكان أمينا
فقلت ليخفى دون شخصي وناظريأيا حركاتي كن في سكونا

أنبأنا إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الأنماطي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سليمان المصيصي حَدَّثَنَا ابن عيينة عَن ابن شبرمة عَن الحسن في قوله تعالى ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قَالَ مَا كان يحتاج إليهم ولكن أحب أن يستن به من بعده

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه المستشار مؤتمن وليس بضامن والمستشير متحصن من السقط متخير للرأي

والواجب على العاقل السالك سبيل ذوي الحجى أن يعلم أن المشاورة تفشي الأسرار فلا يستشير إلا اللبيب الناصح الودود الفاضل في دينه وإرشاد المشير المستشير قضاء حق النعمة في الرأي والمشورة لا تخلو من البركة إذا كانت مع مثل من وصفنا نعته

ولقد أَنْبَأَنَا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ قَالَ قَالَ الحسن مَا حزب قوما قط أمر فاجتمعوا فتشاوروا فيه إلا أرشدهم الله لأصوبه وأنشدني الكريزي

دبر إذا مَا رمت أمرا بفكرةلتعلم مَا تأتي وما تتجنب
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
وشاور نقي الرأي عند التباسهلكي يضح الأمر الذي هو أصوب
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وأنشدني المنتصر بْن بلال

لا تسبقن الناس بالرأي واتئدفإنك إن تعجل إلى القول تزلل
ولكن تصفح رأي من كان حاضراوقل بعدهم رسلا وبالحق فاعمل

أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حدثني يحيى بن زيد بْن مُحَمَّد الأبلي حدثني إِسْمَاعِيل بْن حبيب أَبُو حميد الأبلي عن عبد الله بن الايلمي عَن وهب بْن منبه أنه قَالَ في التوراة أربعة أحرف مكتوبة من لم يشاور يندم ومن استغنى استأثر والفقر الموت الأحمر وكما تدين تدان

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا أَنَس آنس من استشارة عاقل ودود ولا وحشة أوحش من مخالفته لأن المشاورة والمناظرة بابا بركة ومفتاحا رحمة من استشير فليشر بالنصيحة وليجتهد بالرأي وليلزم الحق وقصد السبيل وليجعل المستشير كنفسه بترك الخيانة وبذل النصيحة وليكن كما أنشدني علي ابن محمد البسامي

.. ومن الرجال إذا زكت أحلامهممن يستشار إذا استشير فيطرق
حتى يجول بكل واد قلبهفيرى ويعرف مَا يقول وينطق
للشاعر صالح بن عبد القدوس، من قصيدة «المرء يجمع و الزمان يفرق»
إن الحليم إذا تفكر لم يكديخفى عَلَيْهِ من الأمور الأوفق

أَنْبَأَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن ثابت عن إياس ابن دَغْفَلٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا شَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلا هدوا الى رشدهم

أخبرني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن خالد السيرافي حَدَّثَنَا شيبان حَدَّثَنَا أَبُو الأشهب قَالَ قَالَ الحسن لا يندم من شاور مرشدا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل إذا استشير قوم هو فيهم أن يكون آخر من يشير لأنه أمكن من الفكر وأبعد من الزلل وأقرب من الحزم وأسلم من السقط ومن استشار فلينفذ الحزم بأن لا يستشير عاجزا كما أن الحازم لا يستعين كسلا وفي الاستشارة عين الهداية ومن استشار لم يعدم رشدا ومن ترك المشاورة لم يعدم غيا ولا يندم من شاور مرشدا وقد أنشدني الواسطي

الهم مالم تمضه لسبيلهسقم القلوب وآفة الأبدان
ومعول الرجل الموفق رأيهعند اعتراض طوارق الأحزان
وإذا الحوادث سددت أسبابهكان التبصر أنجد الأعوان
وإذا أضل سبيله تدبيرهطلب الهدى بتشاور الإخوان

أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا مطروح بْن شاكر حَدَّثَنَا أصبغ عَن ابن وهب عَن إِبْرَاهِيم بْن نشيط عَن ابن أَبِي حسين قَالَ كان يقال مَا هلك امرؤ عَن مشورة ولا سعد بتوحد

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه إن من شيم العاقل عند النائبة تنوبه أن يشاور عاقلا ناصحا ذا رأي ثم يطيعه وليعترف للحق عند المشورة ولا يتمادى في الباطل بل يقبل الحق ممن جاء به ولا يحقر الرأي الجليل إذا أتاه به الرجل الحقير لأن

اللؤلؤة الخطيرة لا يشينها قلة خطر غائصها الذي استخرجها ثم ليستخر اللَّه وليمض فيما أشار عليه وقد أنشدني البغدادي

أطع الحليم إذا الحليم عصاكاإن الحليم إذا عصاك هداكا
وإذا استشارك من تود فقل لهأطع الحليم إذا الحليم نهاكا
ولئن أبيت لتأتين خلافهأربا يحوطك أو يكون هلاكا
واعلم بأنك لن تسود ولن ترىسبل الرشاد إذا أطعت هواكا

أنبأنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الرحمن بْن عَبْد المؤمن بجرجان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حميد البزاز حدثنا جرير عَن ابن المقفع عَن وزير كسرى قَالَ ثلاثة ليس لهم رأي فلا تستشيروهم صاحب الخف الضيق وحاقن البول وصاحب المرأة السوء السليطة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.