تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر الحث على تعلم الأدب ولزوم الفصاحة

حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ الأَنْصَارِيُّ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه قد شبه النَّبِيُّ ﷺ في هذا الخبر البيان بالسحر إذ الساحر يستميل قلب الناظر إليه بسحره وشعوذته والفصيح الذرب اللسان يستميل قلوب الناس إليه بحسن فصاحته ونظم كلامه فالأنفس تكون إليه تائقة والأعين إليه رامقة

ولقد حَدَّثَنَا أَبُو خليفة حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد التوزي النحوي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صالح حَدَّثَنَا حبان بْن علي قَالَ سمعت ابن شبرمة يقول مَا رأيت لباسا على رجل أحسن من فصاحة ولا على امرأة من شحم وإن الرجل ليتكلم فيعرب فكأن عَلَيْهِ الخز الأدكن وإن الرجل ليتكلم فيلحن فكأن عَلَيْهِ أسمالا إن أحببت أن يصغر في عينك الكبير ويكبر في عينك الصغير فتعلم النحو وأنشدني الكريزي

أكرم بذي أدب أكرم بذي حسبفإنما العزم في الأحساب والأدب
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
والناس صنفان ذو عقل وذو أدبكمعدن الفضة البيضاء والذهب
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
وسائر الناس من بين الورى همجكانوا موالي أو كانوا من العرب
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وأنشدني البسامي

.. ليس المسود بالمال سؤددهبل المسود من قد ساد بالأدب
لأن من ساد بالأموال سؤددهمَا دام في جمع ذا الأموال والنشب
إن قل يوما له مال يصير إلىهون من الأمر في ذل وفي تعب

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الفصاحة أحسن لباس يلبسه الرجل وأحسن إزار يتزر به العاقل والأدب صاحب في الغربة ومؤنس في القلة وزين في المحافل وزيادة في العقل ودليل على المروءة ومن استفاد الأدب في حداثته انتفع به في كبره لأن من غرس فسيلا يوشك أن يأكل رطبها وما يستوي عند أولي النهى ولا يكون سيان عند ذوي الحجى رجلان أحدهما يلحن والآخر لا يلحن

وقد حَدَّثَنَا الحسين بْن مُحَمَّد بْن مصعب السمجي حَدَّثَنَا أَبُو داود حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن بكر بْن حبيب حَدَّثَنَا أَبِي عَن سالم بْن قتيبة قَالَ كنت عند ابن هبيرة فجرى الحديث حتى ذكروا العربيه فقال والله مَا استوى رجلان حسبهما واحد ومروءتهما واحدة أحدهما يلحن والآخر لا يحلن إلا أن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن قَالَ فقلت أصلح اللَّه الأمير هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته أرأيت الآخرة ما باله فضل فيها قَالَ إنه يقرأ كتاب اللَّه على مَا أنزل والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب اللَّه مَا ليس فيه ويخرج منه مَا هو فيه قَالَ قلت صدق الأمير وبر

وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي

أيها الطالب فخرا بالنسبإنما الناس لأم ولأب
هل تراهم خلقوا من فضةأو حديد أو نحاس أو ذهب
أو ترى فضلهم في خلقهمهل سوى لحم وعظم وعصب
إنما الفضل بحلم راجحوبأخلاق كرام وأدب
.. ذاك من فاخر في الناس بهفاق من فاخر منهم وغلب

وأنشدني مُحَمَّد بْن نصر بن نوفل أنشدني عَبْد العزيز بْن أَحْمَد بْن بكار إمام مسجد مكة

ما حلة نسجت بالدر والذهبإلا وأحسن منها المرء بالأدب

حدثنا مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد المسروقي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسين البرجلاني حَدَّثَنَا أَبُو عمر العمري حدثني عَبْد اللَّه بْن سلمة بْن مرداس عَن أبيه قَالَ قَالَ لي رجل من حكماء الفرس أقرب القرابة المودة الدائمة وأفضل مَا ورث الآباء الأبناء حسن الأدب

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه أفضل مَا ورث أب ابنا ثناء حسن وأدب نافع والخرس عندي خير من البيان بالكذب كما أن الحصور خير من العاهر

فيجب على العاقل أن يذكى قلبه بالأدب كما يذكى النار بالحطب لأن من لم يذك قلبه ران حتى يسود ومن تعلم الأدب فلا يتخذه للمماراة عدة ولا للمباراة ملجأ ولكن يقصد قصد الانتفاع بنفسه وليستعين به على مَا يقر به إلى بارئه

ولقد أنشدنى عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش

أدب المرء كلحم ودممَا حواه رجل إلا صلح
لو وزنتم رجلا ذا أدببألوف من ذوي الجهل رجح

أنبأنا أَحْمَد بْن بشر الكرجي حَدَّثَنَا محمود بْن الخطاب حَدَّثَنَا رستة عَبْد الرحمن بْن عمر قَالَ سمعت عَبْد الرحمن بْن مهدي يقول ما ندمت على شىء ندامتى أني لم أنظر في العربية

سمعت إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل القاضي يقول سمعت ابن أخي الأصمعي يقول سمعت عمي يقول تعلموا النحو فإن بني إسرائيل كفروا بكلمة

واحدة كانت مشددة فخففوها قَالَ اللَّه ﴿يا عيسى إني ولدتك﴾ فقرأوا يا عيسى إني ولدتك مخفف فكفروا

حدثنا الحسن بْن إِسْحَاق الأصبهاني حَدَّثَنَا أَبُو أمية حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صالح حَدَّثَنَا أَبُو زيد النحوي قَالَ جاء رجل إلى الحسن فقال مَا تقول في رجل ترك أبيه وأخيه فقال الحسن ترك أباه وأخاه قَالَ الرجل فما لأباه ولأخاه فقال الحسن فما لأبيه ولأخيه فقال الرجل كلما تابعتك خالفت

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا زينة أحسن من زينة الحسب كما أن من أجمل الجمال إستعمال الأدب ولا حسن لمن لا أدب له ومن كان من أهل الأدب ممن لا حسب له يبلغ به أدبه مراتب أهل الأحساب لأن حسن الأدب خلف من الحسب وليست الفصاحة إلا إصابة المعنى والقصد ولا البلاغة إلا تصحيح الأقسام واختيار الكلام ومن أَحْمَد الفصاحة الاقتدار عند البداهة والغزارة عند الإطالة وأحسن البلاغة وضوح الدلالة وحسن الإشارة

ولقد سمعت مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ نَوْفَلٍ المروزي يقول سمعت أبا داود السنجي يقول سمعت الأصمعي يقول ليست البلاغة بخفة اللسان ولا كثرة الهذيان ولكن بإصابة المعنى والقصد إلى الحاجة وإن أبلغ الكلام مَا لم يكن بالقروي المجدع ولا البدوي المعرب

وأنشدني الكريزي

ولم أر فضلا تم إلا بشيمةولم أر عقلا صح إلا على أدب
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
ولم أر في الأعداء حين اختبرتهمعدوا لعقل المرء أعدى من الغضب
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

حدثنا عمر بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه الجشمي قَالَ قَالَ المدائني ذكر عند علي بْن عَبْد اللَّه بْن عباس بلاغة رجل فقال إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله

قَالَ أَبُو حاتم رضي الله عنه الكلام مثل اللؤلؤ الأزهر والزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر إلا أن بعضه أفضل من بعض ومنه مَا يكون مثل الخزف والحجر والتراب والمدر وأحوج الناس إلى لزوم الأدب وتعلم الفصاحة أهل العلم لكثرة قراءتهم الأحاديث وخوضهم في أنواع العلوم

وَلَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ نَوْفَلٍ يقول سمعت أبا داود السنجي أو حدثني سهل بن هاني عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ النَّحْوَ أَنْ يَدْخُلَ فِيمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَذِبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَكُنْ لَحَّانًا وَلَمْ يَلْحَنْ فِي حَدَيثِهِ فَمَهْمَا رَوَيْتَ عَنْهُ وَلَحَنْتَ فِيهِ كَذَبْتَ عَلَيْهِ

وأنشدني ابن زنجي البغدادي

ليس الفتى كل الفتىإلا الفتى في أدبه
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «من يَلَم الدَّهر ألا»
وبعض أخلاق الفتىأولى به من نسبه
حتف امريء لسانهفي جده أو لعبه
بين اللهي مقتلهركب في مركبه

سمعت أَحْمَد بْن الخطاب بْن مهران بتستر يقول سمعت عثمان بْن خرزاد يقول سمعت علي بْن الجعد يقول سمعت شعبة يقول مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الدابة عليها المخلاة ليس فيها شيء

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.