من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
باب ما يَنتصب فيه المصدرُ المشبَّهُ به على إضمار الفعل المتروك إظهاره
وذلك قولك: مررتُ به فإِذا له صَوْتٌ صَوْتَ حِمار، ومررتُ به فإِذا له صُراخٌ صُراخَ الثَّكْلَى.
" و " قال الشاعر، وهو النابغة الذُّبْيانّى:
مَقْذوفةٍ بدَخيسِ النَّحْضِ بازِلُهاله صَريفٌ صَريفَ القَعْو بالمَسَدِ
وقال:
لها بَعْدَ إسنْادِ الكَليمِ وهَدْئِهورَنَّةِ مَنْ يبكَى إذا كان باكِيَا
هَديرٌ هَديرَ الثَّورِ يَنفض رأسَهيَذُبُّ برَوْقَيه الكِلابَ الضَّواريَا
فإنَّما انتَصب هذا لأنَّك مررتَ به فى حال تصويتٍ، ولم ترد أن تَجعل الآخِرَ صفةً للأوّل ولا بدلاً منه. ولكنَّك لمَّا قلتَ: له صوتٌ، عُلم أنه قد كان ثَمَّ عَمَلٌ، فصار قولُك: له صوتٌ بمنزلة قولك: فإِذا هو يصوَّتُ، فحملتَ الثانَى على المعنى.
وهذا شبيهٌ فى النصب لا فى المعنى بقوله تبارك وتعالى: " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا والشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً "، لأنّه حين قال: " جاعلُ الليلِ "، فقد عَلِمَ القارئُ أنّه على معنى جَعَلَ، " فصار كأَنه قال: وَجَعَلَ اللّيلَ سَكَنًا "، وحَمَلَ الثانىَ على المعنى. فكذلك " له " صوتٌ، فكأَنّه قال: فإِذا هو يصوَّتُ، " فَحَمَلَه على المعنى فنَصَبَهُ، كأَنّه توهَّم بعد قوله له صوتٌ: يُصوَّتُ " صوتَ الحمار أو يُبْديه، أو يُخْرِجُه صوتَ حمار، ولكنّه حذف هذا لأنه صار " له صوتٌ " بدلاً منه.
فإِذا قلت: مررتُ به " فإِذا هو " يصوَّتُ صوتَ الحمار فعلى الفعل غير حال. فإِن قلت: صوتَ حمارٍ " فألقيتَ الألفَ واللامَ " فعلى إضمارك فعلاً بعد الفعل المظهَر سوى الفعل المظهر، وتَجعل صوتَ حِمارٍ مثالاً عليه يُخرج الصوتُ أو حالاً، كما أردتَ ذلك حين قلتَ: فإِذا له صوتٌ. وإن شئتَ
أوصلتَ إليه يصوّت، فجعلته العامَل فيه، كقولك: يَذهب ذَهابا.
ومثل ذلك: مررتُ به فإِذا له دَفْعٌ دَفعَك الضعيفَ. ومثل ذلك أيضاً: مررتُ به فإذا له دَقٌ دَقَّك بالمِنحازِ حبَّ الفُلْفُلِ.
ويدّلك " على أنّك " إذا قلت: " فإِذا " له صوتٌ صوتَ حَمارٍ، فقد أَضمرت فعلاً بعد " له صوتٌ "، وصوتَ حمارٍ انتَصب على أنه مثالٌ أو حالٌ يَخرج عليه الفعلُ أنّك إذا أَظهرتَ الفعلَ الذى لا يكون المصدرُ بدلا منه احتجتَ إلى فعلٍ آخَرَ تُضمِره. فمن ذلك قول الشاعر:
إذا رأتني سقط أَبْصَارُهَادَأْبَ بِكارٍ شايَحتْ بِكارُهَا
ويكون على غير الحال، " وإن شئت بفعل مضمرٍ، كأَنّك قلت: تَدْأَبُ، فيكونُ أيضاً مفعولاً وحالاً، كما يكون غير حال ".
فما لا يكون حالا ويكون على الفعل، قولُ الشاعر، وهو رؤبة:
لَوَّحَها من بَعْدِ بُدْنٍ وسَنَقْتَضميرَك السابقَ يُطْوَى للسَّبَقْ
" وإن شئت كان على: أَضمرها، وإن شئت كان على: لَوَّحَها؛ لأنّ تلويحه تضمير ".
ومثله قوله، وهو العجّاج:
ناجٍ طَواهُ الأَيْنُ مما وجفاطي اللَّيالى زُلَفاً فزُلَفَا
سَماوةَ الهِلالِ حتى احقَوْقَفَا
وقد يجوز أن تُضمِر فعِلاً آخَر كما أَضمرتَ بعد " له صوتٌ "، يدلُّك على ذلك أنَّك لو أَظهرتَ فعلاً لا يجوز أن يكون المصدرُ مفعولاً عليه صار بمنزلة: له صوتٌ، وذلك قولُه، وهو أبو كَبيرٍ الهذلى:
ما إِن يَمَسُّ الأَرضَ إِلّا مَنكِبٌمِنهُ وَحَرفُ الساقِ طَيَّ المِحمَلِ
صار " ما إنْ يَمَسُّ الأرضَ " بمنزلة له طَىٌّ، لأنَّه إذا ذَكر ذا عُرف أنه طَيّانُ.
وقد يَدخل فى صوتَ حمار: إنَّما أنت شُرْبَ الإِبِلِ " إذا " مُثّل " بقوله ": إنَّما أنت شُرْباً. فما كان معرفةً كان مفعولا ولم يكن حالا، وشركته النكرة. وإن شئتَ جعلتَه حالاً عليه وقع الأمر، وهو تشبيهه للأوّل، يدلُّك على ذلك أنَّك لو أَدخلتَ " مِثْلَ " ههنا كان حسنا وكان نصباً، فإِذا أَخرجتَ " مِثْلَ " قام المصدرُ النكرةُ مقامَ مِثْلٍ، لأنه مِثْله نكرةٌ، فدخولُ مِثْلٍ يَدُّلك على أنه تشبيه. فإِذا قلتَ: فإِذا هو يصوتُ صَوْتَ حِمارٍ، فإِنْ شئت نصبتَ على أنَّه مثالٌ وقع عليه الصوتُ، وإن شئت نصبتَ على ما فسَّرنا وكان غير حال، وكأَنَّ هذا جوابٌ لقوله: على أَىّ حالٍ وكيفَ ومِثلُه. وكأَنَّه قيل له: كيف وقع الأمرُ، أو جعل المخاطَبَ بمنزلة مَن قال ذلك، فأراد أن يبيَّن كيف وقع الأمرُ وعلى أىّ مثالٍ، فانتصَب وهو مَوْقُوعٌ فيه وعليه، وعَمل فيه ما قبله وهو الفعلُ.
وإذا كان معرفةً لم يكن حالاً وكان على فعلٍ مظهَرٍ إنْ جاز أن يَعمل فيه، أو على مضمَرٍ إنْ لم يجز المظهَرُ، كما يَنتصب " طَىَّ المِحْمَلِ " على غيرِ " يِمَسُّ ".
وإنْ شئت قلت: له صَوْتٌ صوتُ حِمارٍ، وله صوتٌ خُوارُ ثَوْرٍ، وذلك إذا جعلته صفةً للصوت ولم ترد فعلاً ولا إضماره.
وإن كان معرفة لم يجز أن يكون صفة لنكرة كما لا يكون حالا. وسترى هذا مبيناً فى بابه إن شاء الله.
وزعم الخليل أنه يجز له صوتٌ صوتُ الحمار على الصفة لأنّه تشبيه، فمن ثم جاز أن توصف النكرة به.
وزعم الخليل رحمه الله أنه يجوز أن يقول الرجلُ: هذا رَجُلٌ أخو زيدٍ، إذا أردتَ أن تشبَّهه بأخى زيد. وهذا قبيح ضعيف لا يجوز إلاّ فى موضع الاضطرار، ولو جاز هذا لقلتَ: هذا قصيرٌ الطويلُ، تريد: مثلُ الطويلِ. فلم يجز هذا كما قبح أن تكون " المعرفة " حالاً للنكرة إلاّ فى الشعر. وهو فى الصَّفة أقبحُ، لأنك تَنقض ما تَكلّمتَ به، فلم يُجامِعه فى الحال، كما فارَقَه فى الصفة. وسيبَّين لك فى بابه إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع