من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب ما يَحسن عليه السكوتُ في هذه الأحرف الخمسة لإضمارك ما يكون مستقَرّاً لها وموضعا لو أظهرته، وليس هذا المضمَر بنفس المظهر
وذلك: إن مالا وإن ولدا وإن عددا، أي إن لهم مالا. فالذي أضمرت لَهُمْ.
ويقول الرجل للرجل: هل لكم أحدٌ إن الناس ألْبٌ عليكم، فيقول: إن زيدا، وإن عمرا، أي إن لنا. وقال الأعشى:
إنّ مَحَلاًّ وإنّ مُرتحَلاًوإنَّ في السّفْر ما مَضَى مَهَلا
وتقول: إن غيرها إبلا وشاء كأنه قال: إن لنا غيرَها إبلا وشاء، أو عندنا غيرَها إبلا وشاء. فالذي تضمِر هذا النحو وما أشبهه. وانتصب الإبلُ والشاء كانتصاب فارسٍ إذا قلت: ما في الناس مثلُه فارسا.
ومثل ذلك قول الشاعر: يا ليتَ أيامَ الصِّبَا رَواجِعَا فهذا كقوله: ألا ماء باردا، كأنه قال: ألا ماء لنا مارداً، وكأنه قال: يا ليت لنا أيام الصبا، وكأنه قال: يا ليت أيام الصبا أقبلت رواجعَ.
وتقول: إن قريبا منك زيدا، إذا جعلت قريباً منك موضعه. وإذا قلت جعلت الأول هو الآخِر قلت: إن قريبا منك زيدٌ.
وتقول: إن قريبا منك زيدٌ، والوجهُ إذا أردتَ هذا أن تقول: إن زيدا قريبٌ منك أو بعيد منك، لأنه اجتمع معرفةٌ ونكرة. وقال امرؤ القيس:
وإنّ شِفاءَ عَبرَةٌ مُهراقةٌفهل عند رَسمٍ دارِسٍ من مُعَوَّلِ
فهذا أحسن لأنهما نكرة.
وإن شئت قلت: إن بعيدا منك زيدا. وقلما يكون بعيدا منك ظرفا وإنما قل هذا لأنك لا تقول إن بُعدَك زيدا وتقول إن قربَك زيد. فالدنو أشدُّ تمكينا في الظرف من البُعد.
وزعم يونُس أن العرب تقول: إن بدلَك زيدا، أي إن مكانك زيدا. والدليل على هذا قول العرب: هذا لك بدلَ هذا، أي هذا لك مكان هذا. وإن جعلت البدل بمنزلة البديل قلت إن بدلَك زيدٌ، أي إن بديلَك زيدٌ.
وتقول: إن ألفا في دراهمك بيضٌ، وإن في دراهمك ألفا بيضٌ. فهذا يجرى مجرى النكرة في كان وليس؛ لأن المخاطَب يحتاج إلى أن تُعلمه ههنا كما يحتاج إلى أن تعلمه في قولك ما كان أحدٌ فيها خيرا منك. وإن شئت جعلت فيها مستقرا وجعلت البيض صفة.
واعلم أن التقديم والتأخير والعناية والاهتمام هنا، مثلُه في باب كان، ومثل ذلك قولك: إن أسدا في الطريق رابضا، وإن بالطريق أسدا رابضٌ. وإن شئت جعلت بالطريق مستقرا ثم وصفتَه بالرابض، فهذا يجرى هنا مجرى ما ذكرتُ من النكرة في باب كان.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع