تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده

وهي من الفعل يمنزلة عشرين من الأسماء التي بمنزلة الفعل، لا تصَرَّف تصرُّف الأفعال كما ان عشرين لا تصرف تصرف الأسماء التي أخذت من الفعل وكانت بمنزلته، ولكن يقال بمنزلة الأسماء التي أُخذت من الأفعال وشُبهت بها في هذا الموضع، فنصبت درهما لأنه ليس من نعتها ولا هي مضافة إليه، ولم ترد أن تحمل الدرهم على ما حُمل العشرون عليه، ولكنه واحد بين به العدد فعملت فيه كعمل الضارب في زيد، إذا قلت: هذا ضاربٌ زيدا، لأن زيدا ليس من صفة الضارب، ولا محمولا على ما حُمل عليه الضارب.

وكذلك هذه الحروف، منزلتها من الأفعال. وهي أنّ، ولكن، وليت، ولعل، وكأن.

وذلك قولك: إن زيدا منطلقٌ، وإن عمرا مسافرٌ، وإن زيدا أخوك. وكذلك أخواتها.

وزعم الخليل أنها عملت عملين: الرفعَ والنصب، كما عملت كان الرفع والنصب حين قلت: كان أخاك زيدٌ. إلا أنه ليس لك أن تقول كأن أخوك عبدَ الله، تريد كأن عبدَ الله أخوك، لأنها لا تصرف تصرف الأفعال، ولا يضمَر فيها المرفوع كما يضمَر في كان. فمن ثم فرقوا بينهما كما فرقوا بين ليس وما، فلم يجروها مجراها، ولكن قيل هي بمنزلة الأفعال فيما بعدها وليست بأفعال.

وتقول: إن زيدا الظريف منطلق، فإن لم يُذكر المنطلق صار الظريف

في موضع الخبر كما قلت: كان زيد الظريف ذاهبا، فلما لم تجئ بالذاهب قلت: كان زيدٌ الظريفَ، فنصب هذا في كان بمنزلة رفع الأول في أن وأخواتها.

وتقول: إن فيها زيدا قائما، وإن شئت رفعت على إلغاء فيها، وإن شئت قلت: إن زيدا فيها قائما وقائمٌ. وتفسير نصب القائم ههنا ورفعه كتفسيره في الابتداء، وعبد الله ينتصب بإن كما ارتفع ثم بالابتداء، إلا أن فيها ههنا بمنزلة هذا في انه يستغنى على ما بعدها السكوت، وتقع موقعه. وليست فيها بنفس عبد الله كما كان هذا نفسَ عبد الله، وإنما هي ظرفٌ لا تعمل فيها إن، بمنزلة خلفَك، وإنما انتصب خلفك بالذي فيه.

وقد يقع الشيء موقع الشيء وليس إعرابه كإعرابه، وذلك قولك: مررت برجل يقول ذاك، فيقول في موضع قائل، وليس إعرابه كإعرابه.

وتقول: إن بك زيدا مأخوذ، وإن لك زيدا واقفٌ، من قبل أنك إذا أردت الوقوف والأخذ لم يكن بك ولا لك مستقرين لعبد الله، ولا موضعين. ألا ترى أن السكوت لا يستغنى على عبد الله إذا قلت لك زيد وأنت تريد الوقوف.

ومثل ذلك: إن فيك زيدا لراغب. قال الشاعر:

فلا تلْحِني فيها فإن بحبّهاأخاكَ مُصابُ الثلب جمٌّ بلابِلُهْ

كأنك أردت: إن زيدا راغبٌ، وإن زيدا مأخوذٌ، ولم تذكر فيك ولا بكَ، فألغيتا ههنا كما أُلغيتا في الابتداء. ولو نصبت هذا لقلت إن اليوم زيدا منطلقا، ولكن تقول إن اليوم زيدا منطلق، وتُلغي اليومَ كما ألغيتَه في الابتداء.

وتقول: إن اليوم فيه زيدٌ ذاهبٌ، من قبل أن إن عملت في اليوم، فصار كقولك: إن عمرا فيه زيدٌ متكلم. ويدلك على أن اليوم قد عملت فيه إن، أنك تقول اليوم فيه زيدٌ ذاهبٌ، فترفع بالإبتداء، فكذلك تنصب بأن.

وتقول: إن زيدا لفيها قائما، وإن شئت ألغيتَ لفيها، كأنك قلت: إن زيدا لقائم فيها. ويدلك على أن لفيها يُلغى أنك تقول إن زيدا

لَبك مأخوذ. قال الشاعر، وهو أبو زُبيد الطائي:

إنّ اَمْرَأَ خَصِني عًمْداً مودّتَهعلى التَّنائى لَعندي غيرُ مكفورِ
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

فلما دخلت اللام فيما لا يكون إلا لغوا عرفنا أنه يجوز في فيها، ويكون لغوا لأن فيها قد تكون لغوا.

وإذا قلت: إن زيدا فيها لقائمٌ، فليس إلا الرفع، لأن الكلام محمول على إن، واللام تدل على ذلك، ولو جاز النصبُ ههنا لجاز فيها زيدٌ لقائماً في الابتداء. ومثله: إن فيها زيدا لقائمٌ.

وروى الخليل رحمه الله أن ناسا يقولون: إن بك زيدٌ مأخوذ، فقال: هذا على قوله إنه بك زيدٌ مأخوذ، وشبّه بما يجوز في الشعر، نحو قوله، وهو ابن صريم اليشكري:

ويوماً تُوافينا بوجهٍ مقسَّمٍكأنْ ظبيةٌ تَعْطُو إلى وارِقِ السَّلَمْ

وقال الآخر:

ووجهٌ مشرقُ النحرِكأنْ ثدياهُ حُقّانِ

لأنه لا يحسن ههنا إلاّ الإضمار.

وزعم الخليل أنَّ هذا يشبه قول من قال: وهو الفرزدق:

فلو كنتَ ضبِّياً عرفتَ قرابِتيولكِنَّ زَنجيّ عظيمُ المشافرِ

والنصب أكثر في كلام العرب، كأنه قال: ولكن زنجيا عظيمَ المشافر لا يعرف قرابتي. ولكنه أضمر هذا كما يُضمر ما بنى على الابتداء نحو قوله عز وجل: " طاعةٌ وقولٌ معروفٌ "، أي طاعةٌ وقولٌ معروفٌ أمثل. وقال الشاعر:

فما كنتُ ضَفّاطاً ولكنّ طالباًأناخ قليلاً فوقَ ظَهْرِ سبيلِ

أي ولكن طالبا منيخا أنا.

فالنصب أجود؛ لأنه لو أراد إضمارا لخفف، ولجعل المضمَر مبتدأ كقولك: ما أنت صالحا ولكنْ طالحٌ.

ورفعه على قوله ولكنّ زَنْجِىٌّ.

وأما قول الأعشى:

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُواأَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَ يَنْتَعِلُ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «معلقة الأعشي»

فإن هذا على إضمار الهاء، لم يحذفوا لأنْ يكون الحذف يُدخله في حروف الابتداء بمنزلة إن ولكن، ولكنهم حذفوا كما حذفوا الإضمار، وجعلوا الحذف علَماً لحذف الإضمار في إن، كما فعلوا ذلك في كأن.

وأما ليتما زيدا منطلقٌ فإن الإلغاء فيه حسن، وقد كان رؤبة ابن العجاج ينشد هذا البيت رفعا، وهو قول النابغة الذبياني:

قالت ألاَ لَيْتَمَا هذا الحمامُ لناإلى حمامتنا ونصفُ فقدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

فرفعه على وجهين: على أن يكون بمنزلة قول من قال: مثلا ما بَعوضةٌ، أو يكون بمنزلة قوله: إنما زيدٌ منطلقٌ.

وأما لعلما فهو بمنزلة كأنما. وقال الشاعر، وهو ابن كُراع:

تحلّلْ وعالجْ ذاتَ نفِسكَ وانظُرَنْأيا جُعَلٍ لَعَلَّمَا أنت حالِمُ
للشاعر سُوَيدِ بنِ كِراع، اقرأ القصيدة

وقال الخليل: إنما لا تعمل فيما بعدها، كما أن أرى إذا كانت لغوا لم تعمل، فجعلوا هذا نظيرها من الفعل. كما كان نظيرَ إن من الفعل ما يعمل.

ونظيرُ إنما قول الشاعر، وهو المرار الفَقْعَسي:

أعَلاقةً أمَّ الوُلَيِّدِ بَعْدَماأفنانُ رأسكَ كالثَّغَام المُخْلِسِ
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

جعل بعد مع ما بمنزلة حرفٍ واحد، وابتدأ ما بعده.

واعلم أنهم يقولون: إن زيدٌ لذاهبٌ، وإنْ عمرٌو لخيرٌ منك، لما خففها جعلها بمنزلة لكنْ حين خففها، وألزمها اللام لئلا تلتبس بإن التي هي بمنزلة ما التي تنفى بها.

ومثل ذلك: " إن كلُّ نفسٍ لما عليها حافظٌ "، إنما هي لَعلَيهْا حافظٌ.

وقال تعالى: " وإنْ كلُّ لَما جميعٌ لدينا مُحضَرون " إنما هي: لجميعٌ، وما لغوٌ.

وقال تعالى: " وإنْ وجدنا أكثرَهم لَفاسقين "، " وإنْ نظنك لمِن الكاذبين ".

وحدثنا من نثق به، أنه سمع من العرب من يقول: إن عمرا لَمنطلقٌ. وأهل المدينة يقرءون: " وإنْ كُلاً لَما لَيوفينّهم ربُّك أعمالَهم " يخففون وينصبون، كما قالوا: كأنْ ثدْيَيهْ حُقّانِ وذلك لأن الحرف بمنزلة الفعل، فلما حُذف من نفسه شيء لم يغيَّر عملُه كما لم يغيَّر عملُ لم يكُ ولم أُبَل حين حُذف. وأما أكثرهم فأدخلوها في حروف الابتداء حين حذفوا كما أدخلوها في حروف الابتداء حين ضموا إليها ما.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.