من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب الجزاء
فما يجازي به من الأسماء غير الظروف: من، وما، وأيهم. وما يجازي به من الظروف: أي حينٍ، ومتى، وأين، وأنى، وحيثما. ومن غيرهما: إن، وإذ ما.
ولا يكون الجزاء في حيث ولا في إذ حتى يضم إلى كل واحد منهما ما
فتصير إذ مع ما بمنزلة إنما وكأنما، وليست ما فيهما بلغو، ولكن كل واحد منهما مع ما بمنزلة حرف واحد.
فمما كان من الجزاء بإذما قول العباس بن مرداس:
إذْ ما أتيتَ على الرسول فقُلْ لهحَقّاً عليك إذا اطْمَأَنَّ المَجْلِسُ
وقال الآخر، قالوا: هو لعبد الله بن همام السّلوليّ:
إذ ما تريني اليوم مزجى ظعينتيأُصَعِّدُ سَيْراً في البلاد وأُفْرِعُ
فإِنَّي من قوم سواكم وإنّمارجالي فهم بالحجاز وأشجع
سمعناهما ممن يرويهما عن العرب. والمعنى إما.
ومما جاء من الجزاء بأني قول لبيد:
فأَصبحتَ أنّي تأتها تلتبس بهاكلا مر كبيها تحت رِجْلك شاجِرُ
وفي أين قوله، وهو ابن همام السلولي:
أيْن تَضربْ بنا الُعداةُ تجدْنانَصْرِفُ العِيسَ نَحْوَها للتَّلاقِي
وإنما منع حيث أن يجازي بها أنك تقول: حيث تكون أكون، فتكون وصلٌ لها، كأنك قلت: المكان الذي تكون فيه أكون.
ويبين هذا أنها في الخبر بمنزلة إنما وكأنما وإذا، أنه يبتدأ بعدها الأسماء، أنك تقول: حيث عبد الله قائمٌ زيدٌ، وأكون حيث زيدٌ قائمٌ. فحيث كهذه الحروف التي تبتدأ بعدها الأسماء في الخبر، ولا يكون هذا من
حروف الجزاء. فإذا ضممت إليها ما صارت بمنزلة إن وما أشبهها، ولم يجز فيها ما جاز فيها قبل أن تجئ بما، وصارت بمنزلة إما.
وأما قول النحويين: يجازى بكلّ شئ يستفهم به، فلا يستقيم، من قبل أنك تجازي بإن وبحيثما وإذ ما ولا يستقيم بهن الاستفهام، ولكن القول فيه كالقول في الاستفهام. ألا ترى أنك إذا استفهمت لم تجعل ما بعده صلةً. فالوجه أن تقول: الفعل ليس في الجزاء بصلةٍ لما قبله كما أنه في حروف الاستفهام ليس صلةً لما قبله، وإذا قلت: حيثما تكن أكن، فليس بصلةٍ لما قبله، كما أنك إذا قلت أين تكون وأنت تستفهم فليس الفعل بصلةٍ لما قبله، فهذا في الجزاء ليس بصلةٍ لما قبله، كما أن ذلك في الاستفهام ليس بوصلٍ لما قبله. وتقول: من يضربك في الاستفهام، وفي الجزاء: من يضربك أضربه، فالفعل فيهما غير صلة.
وسألت الخليل عن مهما فقال: هي ما أدخلت معها ما لغواً، بمنزلتها مع متى إذا قلت متى ما تأتني آتك، وبمنزلتها مع إن إذا قلت إن ما تأتني آتك، وبمنزلتها مع أين كما قال سبحانه وتعالى: " أينما تكونوا يدرككم
الموت " وبمنزلتها مع أيٍ إذا قلت: " أياماً تدعوا فله الأسماء الحسنى "، ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظاً واحداً فيقولوا: ماما، فأبدلوا الهاء من الألف التي في الأولى. وقد يجوز أن يكون مه كإذ ضم إليها ما.
وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع. فقال: هي مستكرهة وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء، لأن معناها على أي حالٍ تكن أكن.
وسألته عن إذا، ما منعهم أن يجازوا بها؟ فقال: الفعل في إذا بمنزلته في إذ، إذا قلت: أتذكر إذ تقول، فإذا فيما تستقبل بمنزلة إذ فيما مضى. ويبيّن هذا أنّ إذا تجئ وقتاً معلوماً؛ ألا ترى أنك لو قلت: أتيك إذا احمر البسر كان حسناً، ولو قلت: آتيك إن احمر البسر، كان قبيحاً. فإن أبداً مبهمة، وكذلك حروف الجزاء. وإذا توصل بالفعل، فالفعل في إذا بمنزلته في حين كأنك قلت: الحين الذي تأتيني فيه آتيك فيه. وقال ذو الرمة:
تُصْغِي إذا شَدَّها بالرَّحْلِ جانحةًحتّى إذا ما استوى في غَرْزِها تَثِبُ
وقال الآخر، ويقال وضعه النحويون:
إذا ما الخبز تأدمه بلحمفذاك أمانة الله الثريد
وقد جازوا بها في الشعر مضطرين، شبهوها بإن، حيث رأوها لما يستقبل، وأنها لا بدّلها من جواب.
وقال قيس بن الخطيم الأنصاري:
إذا قَصُرَتْ أَسْيافُنا كان وَصْلُهاخُطانَا إلى أَعْدائنا فنُضارِبِ
وقال الفرزدق:
تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يرفَعُ ليناراً إذا خَمَدَتْ نِيرانُهمْ تَقِدِ
وقال بعض السلوليين:
إذا لم تَزل في كلِّ دارٍ عرفتَهالها واكفٌ مِن دَمْعِ عينِك يَسْجُمِ
فهذا اضطرار، وهو في الكلام خطأ، ولكن الجيد قول كعب بن زهير:
وإذا ما تشاءُ تَبعثُ منهامَغْرِبَ الشمسِ ناشِطاً مَذْعوراً
واعلم أن حروف الجزاء تجزم الأفعال وينجزم الجواب بما قبله.
وزعم الخليل أنك إذا قلت: إن تأتني آتك، فآتك انجزمت بإن تأتني، كما تنجزم إذا كانت جوابا للأمر حين قلت: ائتني آتك.
وزعم الخليل أن إن هي أم حروف الجزاء، فسألته: لم قلت ذلك؟ فقال: من قبل أنى أرى حروف الجزاء قد يتصرفن فيكن استفهاما ومنها ما يفارقه ما فلا يكون فيه الجزاء، وهذه على حالٍ واحدة أبدا لا تفارق المجازاة.
واعلم أنه لا يكون جواب الجزاء إلا بفعل أو بالفاء فأما الجواب بالفعل فنحو قولك: إن تأتني آتك، وإن تضرب أضرب، ونحو ذلك.
وأما الجواب بالفاء فقولك: إن تأتني فأنا صاحبك. ولا يكون الجواب في هذا الموضع بالواو ولا بثم. ألا ترى أن الرجل يقول افعل كذا وكذا فتقول: فإذن يكون كذا وكذا. ويقول: لم أغث أمس، فتقول: فقد أتاك الغوث اليوم. ولو أدخلت الواو وثم في هذا الموضع تريد الجواب لم يجز.
وسألت الخليل عن قوله جل وعز: " وإن تصبهم سيئةٌ بما قدمت
أيديهم إذا هم يقنطون " فقال: هذا كلام معلقٌ بالكلام الأول كما كانت الفاء معلقةً بالكلام الأول وهذا ها هنا في موضع قنطلوا كما كان الجواب بالفاء في موضع الفعل. قال: ونظير ذلك قوله: " سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون " بمنزلة أم صمتم. ومما يجعلها بمنزلة الفاء أنّها لا تجئ مبتدأة كما أنّ الفاء لا تجئ مبتدأةً.
وزعم الخليل أن إدخال الفاء على إذا قبيحٌ، ولو كان إدخال الفاء على إذا حسنا لكان الكلام بغير الفاء قبيحا؛ فهذا قد استغنى عن الفاء كما استغنت الفاء عن غيرها، فصارت إذا هاهنا جوابا كما صارت الفاء جوابا.
وسألته عن قوله: إن تأتني أنا كريمٌ، فقال: لا يكون هذا إلا أن يضطر شاعرٌ، من قبل أنّ أنا كريم يكون كلا ما مبتدأ، والفاء وإذا لا يكونان إلا معلقتين بما قبلهما فكرهوا أن يكون هذا جواباً حيث لم يشبه الفاء. وقد قاله الشاعر مضطراً، يشبهه بما يتكلم به من الفعل. قال حسان بن ثابت:
مَن يَفعَلِ الحَسَناتِ اللَهُ يَشكُرُهاوَالشَرُّ بِالشَرِّ عِندَ اللَهِ مِثلانِ
وقال الأسدي:
بَنِي ثُعَلٍ لا تَنْكَعُوا العَنْزَ شِربْهَابني ثُعَلٍ مَن يَنكَعِ العَنْزَ ظالمُ
وزعم أنه لا يحسن في الكلام إن تأتني لأفعلن، من قبل أنّ لأفعلنّ تجئ مبتدأةً. ألا ترى أن الرجل يقول لأفعلن كذا وكذا. فلو قلت:
إن أتيتني لأكرمنك، وإن لم تأتني لأغمنك، جاز لأنه في معنى لئن أتيتني لأكرمنك ولئن لم تأتني لأغمنك، ولا بد من هذه اللام مضمرةً أو مظهرةً لأنها لليمين، كأنك قلت: والله لئن أتيتني لأكرمنك.
فإن قلت: لئن تفعل لأفعلن قبح، لأن لأفعلن على أول الكلام، وقبح في الكلام أن تعمل إن أو شئ من حروف الجزاء في الأفعال حتى تجزمه في اللفظ ثم لا يكون لها جواب ينجزم بما قبله. ألا ترى أنك تقول: آتيك إن أتيتني، ولا تقول آتيك إن تأتني، إلا في شعر، لأنك أخرت إن وما عملت فيه ولم تجعل لإن جوابا ينجزم بما قبله.
فهكذا جرى هذا في كلامهم. ألا ترى أنه قال عز وجل: " وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " وقال عز وجل: " وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين " لما كانت إن العاملة لم يحسن إلا أن يكون لها جوابٌ ينجزم بما قبله. فهذا الذي يشاكلها في كلامهم إذا عملت.
وقد تقول: إن أتيتني آتيك، أي آتيك إن أتيتني. قال زهير:
وَإِن أَتاهُ خَليلٌ يَومَ مَسأَلَةٍيَقولُ لا غائِبٌ مالي وَلا حَرِمُ
ولا يحسن إن تأتني آتيك، من قبل أن إن هي العاملة. وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي:
يا أَقْرَعُ بنَ حابسٍ يا أَقْرَعُإنَّك إن يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ
أي إنك تصرع إن يصرع أخوك. ومثل ذلك قوله:
هذا سُراقةُ للقُرْآن يَدْرُسُهُوالمرءُ عند الرُّشا إن يلقها ذيب
أي والمرء ذئب إن يلق الرشا. قال الأصمعيّ: هو قديم، أنشدينه أبو عمرو. وقال ذو الرمة:
وَأَنّي مَتى أُشرِف عَلى الجانِبِ الَّذيبِهِ أَنتِ مِن بَينِ الجَوانِبِ ناظِرُ
أي ناظرٌ متى أشرف. فجاز هذا في الشعر، وشبهوه بالجزاء إذا كان جوابه منجزماً؛ لأن المعنى واحد، كما شبّه الله يشكرها وظالم بإذا هم يقنطون، جعله بمنزلة يظلم ويشكرها الله، كما كان هذا بمنزلة قنطوا، وكما قالوا في اضطرارٍ: إن تأتني أنا صاحبك، يريد معنى الفاء، فشبهه ببعض ما يجوز في الكلام حذفه وأنت تعنيه.
وقد يقال: إن أتيتني آتك وإن لم تأتني أجزك، لأن هذا في موضع الفعل المجزوم، وكأنه قال: إن تفعل أفعل.
ومثل ذلك قوله عز وجل: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها "، فكان فعل. وقال الفرزدق:
دَسَّتْ رسولاً بأنًّ القوم إنْ قَدَرواعليكَ يَشْفُوا صُدوراً ذاتَ تَوْغيرِ
وقال الأسود بن يعفر:
ألا هَلْ لهذا الدَّهرِ مِن مُتَعَلَّلِعن النّاس مَهْمَا شاءَ بالناس يَفْعَلِ
وقال: إن تأتني فأكرمك، أي فأنا أكرمك، فلا بد من رفع فأكرمك إذا سكت عليه، لأنه جواب، وإنما ارتفع لأنه مبني على مبتدأ.
ومثل ذلك قوله عز وجل " ومن عاد فينتقم الله منه " ومثله: " ومن كفر فأمتعه قليلا " ومثله: " فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً ".
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع