تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب أو في غير الاستفهام

تقول: جالس عمراً أو خالدا أو بشراً، كأنَّك: قلت: جالس أحد هؤلاء ولم ترد إنساناً بعينه، ففي هذا دليلٌ أن كلهم أهلٌ أن يجالس، كأمَّك قلت: جالس هذا الضرب من الناس.

وتقول: كل لحماً أو خبزا أو تمراً، كأنك: قلت: كل أحد هذه الأشياء. فهذا بمنزلة الذي قبله.

وإن نفيت هذا قلت: لا تأكل خبزا أو لحما أو تمرا. كأنك قلت: لا تأكل شيئاً من هذه الأشياء.

ونظير ذلك قوله عز وجل: " ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً " أي: لا تطع أحداً من هؤلاء.

وتقول: كل خبزا أو تمراً، أي: لا تجمعهما.

ومثل ذلك أن تقول: ادخل على زيد أو عمروٍ أو خالدٍ، أي: لا تدخل على أكثر من واحدٍ من هؤلاء. وإن شئت جئت به على معنى ادخل على هذا الضرب.

وتقول: خذه بما عزَّ أو هان، كأنه قال: خذه بهذا أو بهذا، أي

لا يفوتَّنك على كل حال ومن العرب من يقول: خذه بما عن وهان، أي خذه بالعزيز والهين، وكل واحدة منهما تجزئ عن أختها.

وتقول: لأضربنَّه ذهب أو مكث، كأنه قال: لأضربنَّه ذاهباً أو ماكثاً، ولأضربنَّه إن ذهب أو مكث. وقال زيادة بن زيد العذري:

إذا ما انتَهى عِلمْي تَناهَيْتُ عندهأطالَ فأَمْلَى أو تَناهَى فأَقْصَرَا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

وقال:

فلستُ أبالِي بعد يومِ مطرّفٍحُتوفَ المَنايا أكْثرتْ أو أقلَّت

وزعم الخليل أنَّه يجوز: لأضربنَّه أذهب أم مكث، وقال: الدليل على ذلك أنَّك تقول: لأضربنَّك أي ذلك كان.

وإنما فارق هذا سواء وما أبالي، لأنَّك إذا قلت: سواءٌ عليَّ أذهبت أم مكثت فهذا الكلام في موضع سواءٌ عليَّ هذان. وإذا قلت: ما أبالي أذهبت أم مكثت هو في موضع: ما أبالي واحداً من هذين. وأنت لا تريد أن تقول في الأول: لأضربنَّ هذين، ولا تريد أن تقول: تناهيت هذين، ولكنك إنَّما تريد أن تقول: إن الأمر يقع على إحدى الحالين. ولو قلت: لأضربنَّه أذهب أو مكث لم يجز، لأنَّك لو أردت معنى أيهما قلت: أم مكث، ولا يجوز لأضربنَّه مكث فلهذا لا يجوز: لأضربنَّه أذهب أو مكث، كما يجوز: ما أدري أقام زيدٌ أو قعد. ألا ترى أنَّك تقول: ما أدري أقام كما تقول: أذهب، وكما تقول: أعلم أقام زيدٌ، ولا يجوز أن تقول: لأضربنَّه أذهب.

وتقول: وكل حقٍ له سميناه في كتابنا أو لم نسمِّه، كأنه قال: وكل حق له علمناه أو جهلناه، وكذلك كل حقٍّ هو لها داخلٍ فيها أو خارجٍ منها، كأنه قال: إن كان داخلا أو خارجا. وإن شاء أدخل الواو كما قال: بما عزَّ وهان.

وقد تدخل أم في: علمناه أو جهلناه وسميناه أو لم نسمه، كما دخلت في: أذهب أم مكث وتدخل أو على وجهين: على أنه يكون صفة للحق، وعلى أن يكون حالاً، كما قلت: لأضربنَّه ذهب أو مكث، أي: لأضربنَّه كائنا ما كان. فبعدت أم ههنا حيث كان خبراً في موضع ما ينتصب حالاً، وفي موضع الصفة.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.