من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
باب الأحيان في الانصراف وغير الانصراف
اعلم أن غدوة وبكرة جعلت كلَّ واحدةٍ منهما اسماً للحين، كما جعلوا أمَّ حبينٍ اسماً للدابة معرفة.
فمثل ذلك قول العرب: هذا يوم اثنين مباركاً فيه، وأتيتك يوم اثنين مباركاً فيه. جعل اثنين اسماً له معرفةً، كما تجعله اسماً لرجل.
وزعم يونس عن أبي عمرو، وهو قوله أيضاً وهو القياس، انكَّ إذا قلت: لقيته العام الأول، أو يوماً من الأيام، ثم قلت: غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون وكذلك إذا لم تذكر العام الأول ولم تذكر، إلاَّ المعرفة ولم تقل يوماً من الأيام، كأنك قلت: هذا الحين في جميع هذه الأشياء. فإذا جعلتها اسماً لهذا المعنى لم تنوّن. وكلك تقول العرب.
فأما ضحوةٌ وعشيةٌ فلا يكونان إلاَّ نكرةً على كلّ حال، وهما كقولك: آتيك غذاً وصباحاً ومساءً. وقد تقول: أتيتك ضحوةً وعشيةً، فيعلم أنكَّ تريد عشيّة يومك وصحوته، كما تقول: عاماً أول فيعلم أنك تريد العام الذي يليه عامك.
وزعم الخليل أنه يجوز أن تقول: آتيتك اليوم غدوةً وبكرةً، تجعلها بمنزلة ضحوةٍ.
وزعم أبو الخطَّاب أنهَّ سمع من يوثق به من العرب يقول: آتيك بكرةً وهو يريد الإتيان في يومه أو في غده. ومثل ذلك قول الله عز وجل: " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياَّ ". هذا قول الخليل.
وأمَّا سحر إذا كان ظرفا فإنَّ ترك الصرف فيه قد بينته لك فيما مضى.
وإذا قلت: مذ السَّحر أو عند السَّحر الأعلى، لم يكن إلا بالألف واللام. فهذه حاله، لا يكون معرفةً إلا بهما. ويكون نكرةً إلا في الموضع الذي عدل فيه.
وأما عشيّةٌ فإنَّ بعض العرب يدع فيه التنوين، كما ترك في غدوة.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع