من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
باب ما جاء معدولا عن حده من المؤنث كما جاء المذكر معدولا عن حده
نحو: فسق، ولكع، وعمر، وزفر وهذا المذكر نظير ذلك المؤنث.
فقد يجيء هذا المعدول اسماً للفعل، واسماً للوصف المنادى المؤنث، كما كان فسق ونحوه المذكّر، وقد يكون اسماً للوصف غير المنادى وللمصدر ولا يكون إلاَّ مؤنثاً لمؤنث. وقد يجيء معدولاً كعمر، ليس اسماً لصفة ولا فعلٍ ولا مصدرٍ.
أما ما جاء اسماً للفعل وصار بمنزلته فقول الشاعر:
مَناعِها مِن إبِلٍ مناعهاألا ترى الموت لدى ارباعها
تَراكِها مِن إبِلٍ تَراكِهَاألا ترى الموتَ لَدَى أَوْراكِهَا
وقال أبو النجم:
حَذارِ من أرْماحِنا حَذارِ
وقال رؤبة:
نَظارِ كَيْ أرْكَبَها نَظارِ
ويقال: نزال، أي انزل. وقال زهير:
ولَنِعْمَ حَشْوُ الدّرْعِ أنتَ إذادُعِيَتْ نَزالِ ولجَّ في الذَّعر
ويقال للضَّبع: دباب، أي دبي. قال الشاعر:
نَعاء ابنَ لَيْلَى للسمَّاحة والنَّدىوأَيْدِي شمالٍ بارِداتِ الأنامِلِ
وقال جرير:
نَعاءُ أبا لَيْلَى لكْلِ طمرةٍوجَرْداء مِثْلِ القوْس سمحٍ حُجولُها
فالحد في جميع هذا افعل ولكنه معدول عن حده وحرك آخره لأنه لا يكون بعد الألف ساكن. وحرّك بالكسر، إنَّ الكسر مما يؤنث به. تقول: إنك ذاهبةٌ وأنت ذاهبة، وتقول: هاتي هذا للجارية، وتقول: هذي أمة الله، واضر. إذا أردت المؤنث، وإنَّما الكسرة من الياء.
ومما جاء من الوصف منادّى وغير منادّى: يا خباث وبالكاع. فهذا
اسم للخبيثة وللَّكعاء ومثل ذلك قول الشاعر، النابغة الجعدي:
فقلتُ لها عِيثِي جَعارِ وجرِّريبلحم امرىء لم يَشْهَدِ اليومَ ناصِرُهُ
وإنَّما هو اسم للجاعرة، وإنَّما يريد بذلك الضَّبع. ويقال لها: فثام، لأنَّها تقثم أي تقطع. وقال الشاعر:
لِحَقَتْ حَلاقِ بهمْ على أكْسائهمْضَرْبَ الرِّقاب ولا يهمُّ المغنم
فحلاق معدول عن الحالقة، وإنَّما يريد بذلك المنية لأنها تحلق. وقال الشاعر، مهلهلٌ:
ما أرجّى بالعيش بعد ندامىقد أراهم سقوا بكأسِ حَلاقِ
فهذا كله معدولٌ عن وجهه وأصله، فجعلوا آخره كآخر ما كان للفعل، لأنَّه معدول عن أصله، كما عدل: نظار وحذار وأشباههما عن حدهن، وكلهن مؤنث، فجعلوا بابهنَّ واحدا.
فإن قلت: ما بال فسقٌ ونحوه لا يكون جزماً كما كان هذا مكسورا؟ فإنَّما ذلك لم يقع في موضع الفعل فيصير بمنزلة: صه، ومه ونحوهما، فيشبَّه ها هنا به في ذلك الموضع. وإنَّما كسروا فعال ها هنا، لأنَّهم شبهوها بها في الفعل.
ومما جاء اسماً للمصدر قول الشاعر النابغة:
إنّا اقْتَسَمْنا خطَّتينا بيننافَحَمَلْتُ بَرّةَ واحْتَمَلْتَ فَجارِ
ففجار معدول عن الفجرة. وقال الشاعر:
فقال امْكُثِي حتَّى يَسارِ لَعَلَّنانحجُّ معاُ قالتْ: أعاماً وقابله
فهي معدولة عن الميسرة. وأجري هذا الباب مجرى الذي قبله أنه عدل كما عدل، ولأنَّه مؤنّث بمنزلته. وقال الشاعر الجعدي:
وذكرتَ مِن لَبَنِ المحلَّق شُرْبةًوالخَيْلُ تَعْدو بالصعَّيد بَدَادِ
فهذا بمنزلة قوله: تعدو بدداً، إَّلا أنَّ هذا معدولٌ عن حده مؤنثاً.
وكذلك عدلت عليه مساس. والعرب تقول: أنت لا مساس، ومعناه لا تمسنُّي ولا أمسُّك. ودعني كفاف، فهذا معدول عن مؤنث وإن كانوا لم يستعملوا في كلامهم ذلك المؤنث الذي عدل عنه بداد وأخواتها.
ونحو ذا في كلامهم. ألا تراهم قالوا: ملامح ومشابه وليالٍ، فجاء جمعه على حدِّ ما لم يستعمل في الكلام، لا يقولون: ملمحة ولا ليلاة. ونحو ذا كثير. قال الشاعر، الملتمس:
جَمادِ لها جَمادِ ولا تَقوليطَوالَ الدهرِ ما ذُكِرَتْ حَمادِ
فهذا بمنزلة جموداً؛ ولا تقولي: حماد عدل عن قوله: حمداً لها، ولكنه عدل عن مؤنث كبداد.
وأما ما جاء معدولاً عن حده من بنات الأربعة فقوله:
قالت: له ريحُ الصَّبا قَرْقارِ
فإنَّما يريد بذلك قال له: قرقر بالرَّعد للسَّحاب، وكذلك عرعار، وهو بمنزلة قرقار، وهي لعبة وإنمَّا هي من عرعرت. ونظيرها من الثلاثة خراج، أي اخرجوا، وهب لعبة أيضاً.
واعلم أنَّ جميع ماذكرنا إذا سميت به امرأةً فإنَّ بني تميم ترفعه وتنصبه وتجريه مجرى اسمٍ لا ينصرف؛ وهو القياس، لأنَّ هذا لم يكن اسماً علما، فهو عندهم بمنزلة الفعل الذي يكون فعال محدوداً عنه، وذلك الفعل افعل؛ لأن فعال لا يتغير عن الكسر، كما أنَّ افعل لا يتغير عن حال واحدة. فإذا جعلت افعل اسماً لرجل أو امرأة تغَّير وصار بمنزلة الأسماء، فينبغي لفعال التي هي معدولة عن افعل أن تكون بمنزلة بل هي أقوى. وذلك أنَّ فعال اسمٌ للفعل، فإذا نقلته إلى الإسم إلى شيء هو مثله والفعل إذا نقلته إلى الاسم إلى الاسم نقلته إلى الاسم نقلته إلى شيء هو منه أبعد.
وكذلك كل فعال إذا كانت معدولة عن غير افعل إذا جعلتها اسماً، لأنَّك إذا جعلتها علماً فأنت لا تريد ذلك المعنى. وذلك نحو حلاق التي هي معدولة عن الحالقة، وفجار التي هي معدولة عن الفجرة، وما أشبه هذا. ألا ترى أنَّ بني تميم يولون: هذه قطام وهذه حذام؛ لأنَّ هذه معدولة عن حاذمة، وقطام معدولة عن قاطمة أو قطمة وإنمَّا كل واحدةٍ منهما معدولةٌ
عن الاسم هو علم ليس عن صفة، كما أن عمر معدول عن عامرٍ علماً لا صفةً. لولا ذلك لقلت: هذا العمر، تريد: العامر.
وأما أهل الحجاز فلما رأوه اسماً لمؤنث ورأوا ذلك البناء على حاله لم يغيِّروه؛ لانَّ البناء واحد، وهو ههنا اسم للمؤنث كما كان ثمَّ اسماً للمؤنث، وهو ههنا معرفة كما كان ثمَّ، ومن كلامهم أن يشبهٍّوا الشيء بالشيء، وإن لم يكن مثله في جميع الأشياء. وسترى ذلك إن شاء الله، ومنه ما قد مضى.
فأما ما كان آخره راءً فإنَّ أهل الحجاز وبني تميم فيه متفقون، ويختار بنو تميم فيه لغة أهل الحجاز كما اتفقوا في يرى، والحجازية هي اللغة الأولى القدمى.
فزعم الخليل: أن إجناح الألف أخفُّ عليهم، يعني: الإمالة، ليكون العمل من وجهٍ واحد، فكرهوا ترك الخفة وعلموا أنهَّم إن كسروا الراء وصلوا إلى ذلك، وأنهَّم إن رفعوا لم يصلوا.
وقد يجوز أن ترفع وتنصب ما كان في آخره الراء. قال الأعشى:
ومرَّ دهرٌ على وَبارِفهَلَكَتْ جَهْرةً وَبارُ
والقوافي مرفوعة.
فمما جاء وآخره راءٌ: سفار وهو اسم ماء، وحضار وهو اسم كوكب، ولكنَّهما مؤنثان كماوية والشِّعري، كأنَّ تلك اسم الماءة وهذه اسم الكوكبة.
ومما يدلَّك على أن فعال مؤنثة قوله: دعيت نزال، ولم يقل دعي نزال وأنهم لا يصرفون رجلاً سموه رقاش وحذام ويجعلونه بمنزلة رجل سموه يضق وأعلم أن جميع ما ذكر في هذا الباب من فقال ما كان منه بالراء وغير ذلك إذا كان شيء منه اسماً لمذكر لم ينجزّ أبداً، وكان المذكر في هذا بمنزلته إذا سمي بعناقٍ، لأنَّ هذا البناء لا يجيء معدولاً عن مذكّر فيشبَّه به.
تقول: هذا حذام ورأيت حذام قبل، ومررت بحذام قبل سمعت ذلك ممن يوثق بعلمه.
وإذا كان جميع هذا نكرةً انصرف كما ينصرف عمر في النكرة، لأنَّ ذا لا يجيء معدولاً عن نكرة.
ومن العرب من يصرف رقاش وغلاب إذا سمى به مذكَّرا، لا يضعه على التأنيث، بل يجعله اسماً مذكراً كأنه سمى رجلاً بصباح.
وإذا كان الاسم على بناء فعال نحو: حذامٍ ورقاش، لا تدري ما أصله أمعدولٌ أم غير معدول، أم مؤنث أم مذكر، فالقياس فيه أن تصرفه؛ لأنَّ الأكثر من هذا البناء مصروف غير معدولٍ، مثل: الذَّهاب، والصَّلاح والفساد، والربَّاب.
واعلم أن فعال جائزة من كل ما كان على بناء فعل أو فعل أو فعل، ولا يجوز من أفعلت، لأنا لم نسمعه من بنات الأربعة، إلاَّ أن تسمع شيئاً فتجيزه فيما سمعت ولا تجاوزه. فمن ذلك: قرقار وعرعار.
واعلم أنَّك إذا قلت: فعال وأنت تأمر امرأة أو رجلاً أو أكثر من ذلك، أنَّه على لفظك إذا كنت تأمر رجلاً واحداً. ولا يكون ما بعده إلا نصباً؛ لأن معناه افعل كما أنَّ ما بعد افعل لا يكون إلا نصباً. وإنما منعهم أن يضمروا في فعال الاثنين والجميع والمرأة، لأنهَّ ليس بفعل، وإنما هو اسمٌ في معنى الفعل.
واعلم أن فعال ليس بمطرد في الصفات نحو: حلاق، ولا في مصدر نحو: فجار، وإنَّما يطرد هذا الباب في النداء وفي الأمر.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع