تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

باب تسميتك الحروف بالظروف وغيرها من الأسماء

اعلم أنَّك إذا سميت كلمةً بخلف أو فوق أو تحت لم تصرفها، لأنهَّا مذكَّرات. ألا ترى أنك تقول: تحيت ذاك، وخليف ذاك، ودوين ذاك. ولو كن مؤنّثاتٍ لدخلت فبهن الهاء، كما دخلت في قد يديمةٍ ووريئّةٍ.

وكذلك قبل وبعد، تقول: قبيل وبعيد. وكذلك أين وكيف ومتى عندنا، لأنَّها ظروف، وهي فيعندنا على التذكير، وهي الظروف بمنزلة ما ومن في الأسماء، فنظيرهنَّ من الأسماء غير الظروف مذكر. والظروف قد تبيَّن لنا أن أكثرها مذكر حيث حقرت، فهي على الأكثر وعلى نظائرها.

وكذلك إذ، هي كالحين وبمنزلة ما هو جوابه، وذلك متى.

وكذلك ثمَّ وهنا، هما بمنزلة أين، وكذلك حيث، وجواب أين كخلف ونحوها.

وأما أمام فكلُّ العرب تذكَّره. أخبرنا بذلك يونس.

وأما إذا ولدن فكعند، ومثلهن عن فيمن فال: من عن يمينه. وكذلك منذ في لغة من رفع، لأنهَّا كحيث.

ولو لم تجد في هذا الباب ما يؤكد التذكير لكان أن تحمله على التذكير أولى حتىَّ يتبين لك أنه مؤنث.

وأما الأسماء غير الظروف فنحو بعض، وكل، وأي، وحسب. ألا ترى أنَّك تقول: أصبت حسبي من الداء.

وقط كحسب، وإن لم تقع في جميع مواقعها. ولو لم يكن اسماً لم تقل: قطك درهمان، فيكون مبنياً عليه، كما أنَّ على بمنزلة فوق وإن خالفتها في أكثر الواضع. سمعنا من العرب من يقول: نهضت من عليه، كما تقول: نهضت من فوقه.

واعلم أنهَّم إنمَّا قالوا: حسبك درهمٌ، وقطك درهمٌ، فأعربوا حسبك لانهَّا أشد تمكنا. ألا ترى أنهَّا تدخل عليها حروف الجرّ، تقول: بحسبك، وتقول: مررت برجلٍ حسبك، فتصف به. وقط لا تمكَّن هذا التمكَّن.

واعلم أنَّ جميع ما ذكرنا لا ينصرف منه شيءٌ إذا كان اسماً للكلمة، وينصرف جميع ما ذكرنا في المذكر، إلا أن وراء وقدام لا ينصرفان، لأنهَّما مؤنثان.

وأما ثمَّ وأين وحيث ونحوهن إذا صيرن اسماً لرجل أو امرأة أو حرفٍ أو كلمة، فلا بد لهنَّ من أن يتغيرن عن حالهنَّ ويصرن بمنزلة زيد وعمرو، لأنَّك وضعتهن بذلك الموضع، كما تغيرت ليت وإنَّ. فإن أردت حكاية هذه الحروف تركتها على حالها قال: " إن الله ينهاكم عن قيل وقال "، ومنهم من يقول: عن قبل وقالٍ، لما جعله اسماً. قال ابن مقبل:

أَصْبَحَ الدهرُ وقد ألْوَى بهمْغيرَ تَقْوالِك مِن قيلٍ وقالِ
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

والقوافي مجرورة. قال:

ولم أسمع به قِيلاً وقالاَ

وفي الحكاية قالوا: مذشبَّ إلى دبَّ، وإن شئتٍّ: مذشبٍّ إلى دب: وتقول إذا نظرت في الكتاب: هذا عمروٌ، وإنمَّا المعنى هذا اسم عمرو وهذا ذكر عمروٍ، ونحو هذا، إلا أنَّ هذا يجوز على سعة الكلام، كما تقول: جاءت القرية. وإن شئت قلت: هذه عمروٌ، أي هذه الكلمة اسم عمرو، كما تقول: هذه ألفٌ وأنت تريد هذه الدراهم الفٌ. وإن جعلته اسماً للكلمة لم تصرفه، وإن جعلته للحرف صرفته.

وأبو جادٍ وهوّازٌ وحطّيٌّ، كعمروٍ وفي جميع ما ذكرنا، وحال هذه الأسماء حال عمروٍ. وهي أسماءٌ عربية، وأمَّا كلمن وسعفص وقريشيات فإنهنَّ أعجمية لا ينصرفن، ولكنهَّن يقعن مواقع عمروٍ وفيما ذكرنا، إلا أنَّ قريشيات بمنزلة عرفاتٍ وأذرعاتٍ. فإمَّا الألف وما دخلته الألف واللام فإنمَّا يكنَّ معارف بالألف واللام، كما أنَّ الرجل لا يكون معرفة بغير ألف ولام.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.