تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

فصل في الاستدلال على ما في الضمائر الخفية بالقوانين الحرفية

وذلك لو سأل سائل عن عليل لم يعرف مرضه ما علّته، وما الموافق لبرئه منه، فمر السّائل أن يسمّي ما شاء من الأشياء على اسم العلّة المجهولة، لتجعل ذلك الاسم قاعدة لك. ثمّ أستنطق الاسم مع اسم الطالع والعناصر والسائل واليوم والساعة إن أردت التدقيق في المسألة، وإلّا اقتصرت على الاسم الّذي سمّاه السّائل، وفعلت به كما نبيّن. فأقول مثلا: سمّى السائل فرسا فأثبت الحروف الثلاثة مع أعدادها المنطقة. بيانه: أنّ للفاء من العدد ثمانين ولها (م ك ي ح ب) ثمّ الرّاء لها من العدد مائتان (ق ن ك ى) ثمّ السّين لها من العدد ستّون ولها (م ل ك) فالواو عدد تام له (د ج ب) والسّين مثله ولها (م ل ك). فإذا بسطت حروف الأسماء وجدت عنصرين متساويين، فاحكم لأكثرهما حروفا بالغلبة على الآخر، ثمّ احمل عدد حروف عناصر اسم المطلوب وحروفه دون بسط، وكذلك اسم الطالب واحكم للأكثر والأقوى بالغلبة.

وصفة قوى استخراج العناصر فتكون الغلبة هنا للتراب وطبعه البرودة، واليبوسة طبع السوداء، فتحكم

على المريض بالسّوداء. فإذا ألفت من حروف الاستنطاق كلاما على نسبة تقريبيّة خرج موضع الوجع في الحلق، ويوافقه من الأدوية حقنة، ومن الأشربة شراب اللّيمون. هذا ما خرج من قوى أعداد حروف اسم فرس وهو مثال تقريبيّ مختصر. وأمّا استخراج قوى العناصر من الأسماء العلميّة فهو أن تسمي مثلا محمّدا، فترسم أحرفه مقطّعة، ثمّ تضع أسماء العناصر الأربعة على ترتيب الفلك، يخرج لك ما في كلّ عنصر من الحروف والعدد. ومثاله:

فتجد أقوى هذه العناصر من هذا الاسم المذكور عنصر الماء، لأنّ عدد حروفه عشرون حرفا، فجعلت له الغلبة على بقيّة عناصر الاسم المذكور، وهكذا يفعل بجميع الأسماء. حينئذ تضاف إلى أوتارها، أو للوتر المنسوب للطّالع في الزايرجة، أو لوتر البيت المنسوب لمالك بن وهيب، الّذي جعله قاعدة لمزج الأسئلة وهو هذا:

سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذنغرائب شك ضبطه الجدّ مثلا

وهو وتر مشهور لاستخراج المجهولات، وعليه كان يعتمد ابن الرقّام وأصحابه. وهو عمل تام قائم بنفسه في المثالات الوضعيّة. وصفة العمل بهذا الوتر المذكور أن ترسمه مقطّعا ممتزجا بألفاظ السّؤال على قانون صنعة التكسير.

وعدّة حروف هذا الوتر أعني البيت ثلاثة وأربعون حرفا، لأنّ كلّ حرف مشدّد من حرفين.

ثمّ تحذف ما تكرّر عند المزج من الحروف ومن الأصل، لكلّ حرف فضل من المسألة حرف يماثله، وتثبّت الفضلين سطرا ممتزجا بعضه ببعض الحروف. الأوّل من فضلة القطب والثاني من فضلة السّؤال، حتّى يتمّ الفضلتان جميعا، فتكون ثلاثة وأربعين، فتضيف إليها خمس نونات ليكون ثمانية وأربعين، لتعدّل بها الموازين الموسيقيّة. ثمّ تضع الفضلة على ترتيبها فإن كان عدد الحروف الخارجة بعد المزج يوافق العدد الأصليّ قبل الحذف فالعمل صحيح، ثمّ عمّر بما مزجت جدولا مربّعا يكون آخر ما في السّطر الأوّل أوّل ما في السّطر الثاني.

وعلى هذا النّسق حتى يعود السّطر الأوّل بعينه، وتتوالى الحروف في القطر على نسبة الحركة. ثمّ تخرج وتر كلّ حرف كما تقدّم تضعه مقابلا لحرفه، ثمّ تستخرج النّسب العنصريّة للحروف الجدوليّة، لتعرف قوّتها الطبيعيّة وموازينها الروحانيّة وغرائزها النفسانيّة وأسوسها الأصليّة من الجدول الموضوع لذلك.

وصفة استخراج النسب العنصريّة هو أن تنظر الحرف الأوّل من الجدول ما طبيعته وطبيعة البيت الّذي حلّ فيه، فإن اتفقت فحسن، وإلّا فاستخرج بين الحرفين نسبة. ويتّسع هذا القانون في جميع الحروف الجدوليّة. وتحقيق ذلك سهل على من عرف قوانينه كما هو مقرّر في دوائرها الموسيقيّة. ثمّ تأخذ وتر كلّ حرف بعد ضربه في أسوس أوتاد الفلك الأربعة كما تقدّم. واحذر ما يلي الأوتاد. وكذلك السواقط لأنّ نسبتها مضطربة. وهذا الّذي يخرج لك هو أوّل مراتب السريان. ثمّ تأخذ مجموع العناصر وتحطّ منها أسوس المولّدات يبقى أسّ عالم الخلق بعد عروضه للمدد الكونيّة. فتحمل عليه بعض المجرّدات عن الموادّ وهي عناصر الإمداد، يخرج أفق النفس الأوسط. وتطرح أوّل رتب السريان من

مجموع العناصر يبقى عالم التّوسّط. وهذا مخصوص بعوالم الأكوان البسيطة لا المركّبة. ثمّ تضرب عالم التوسّط في أفق النفس الأوسط يخرج الأفق الأعلى، فتحمل عليه أوّل رتب السريان، ثمّ تطرح من الرابع أوّل عناصر الإمداد الأصليّ يبقى ثالث رتبة السريان. ثمّ تضرب مجموع أجزاء العناصر الأربعة أبدأ في رابع رتب السريان يخرج أوّل عالم التفصيل، والثاني في الثاني يخرج ثاني عالم التفصيل، وكذلك الثالث والرابع، فتجمع عوالم التفصيل وتحطّ من عالم الكلّ، تبقى العوالم المجرّدة، فتقسم على الأفق الأعلى يخرج الجزء الأوّل. ومن هنا يطّرد العمل في التّامة. وله مقامات في كتب ابن وحشيّة والبونيّ وغيرهما. وهذا التدبير يجري على القانون الطبيعيّ الحكميّ في هذا الفنّ وغيره من فنون الحكمة الإلهيّة، وعليه مدار وضع الزيارج الحرفيّة والصّنعة الإلهيّة والنيرجات الفلسفيّة.

والله الملهم وبه المستعان وعليه التكلان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السادس من الكتاب الأول في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.