من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)
ذكر عيوب الهجاء
كما أن معرفة رداءة المدح قد كان سهلها معرفة جيدة، فكذلك عيب الهجاء يسهل الطريق إلى العلم به ما تقدم في باب نعته، وجماع القول فيه: أنه متى سلب المهجو أموراً لا تجانس الفضائل النفسية كان ذلك عيباً في الهجاء، مثل أن ينسب إلى أنه قبيح الوجه، أو صغير الحجم، أو ضئيل الجسم، أو مقتر، أو معسر، أو من قوم ليسوا بأشراف، إذا كانت أفعاله في نفسه جميلة، وخصاله كريمة نبيلة، أو أن يكون أبواه مخطتين، إذا كان مصيباً، أو غويين، إذا وجد رشيداً سديداً، أو بقلة العدد، إذا كان كريماً، أو بعدم النظار، إذا كان راجحاً شهماً، فلست أرى ذلك هجاء جارياً على الحق.
ومما يدل على ذلك، بعد القياس الصحيح، والنظر الصريح، أشعار وأقوال أعددها، فمنها ما أنشدناه أبو العباس أحمد بن يحيى، ثعلب:
رأت نضو أسفار أميمة قاعداًعلى نضو أسفار فجن جنونها
فقالت: من أي الناس أنت ومن تكنفإنك راعي ثلة لا نزينها
فقلت لها: ليس الشحوب على الفتىبعار ولا خير الرجال سمينها
فهذا صريح في أن القبح والشحوب والسماجة ليست بعار.
ومن هذا أيضاً قول بعضهم في ابن له ازدراه رجال، فمنعهم من نعمه، وقد أغاروا عليها:
رأوه فازدروه وهو خرقوينفع أهله الرجل القبيح
ومن الأبيات الأول في أن قلة المال ليست عاراً قوله:
عليك براعي ثلة مسلحبةيروح عليه محضنها وحقينها
سمين الضواحي لم تؤرقه ليلةوأنعم أبكار الهموم وعونها
وللسموأل في أن قلة العدد ليس عيباً ولا سبة:
تعيرنا أنا قليل عديدنافقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارناعزيز وجار الأكثيرين ذليل
فعدى هذا الشاعر عن الهجاء الذي عيرتهم به هذه المعيرة، واحتج فيه بما دل على أنه غير صائر، ثم وصف بعد ذلك نفسه وقومه بالأوصاف التي هي لائقة بالمدح، وفي ذكرنا إياها في هذا الموضع منفعة في تعليم الهجاء الجاري على الصواب، فقال:
وإنا لقوم لا نرى القتل سبةإذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد حتف أنفهولا طل منا حيث مات قتيل
لن اجبل يحتله من نجيرهمنيع يرد الطرف وهو كليل
فأتى في هذه الأبيات بالمدح من جهة الشجاعة والبأس والعز، ثم قال:
وننكر إن شئنا على الناس قولهمولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيد منا خلا قام سيدقؤول لما قال الكرام فعول
سلى إن جهلت الناس عنا وعنهموليس سواء عالم وجهول
فأتى في هذه الأبيات بالوصف من جهة العقل والرأي والفهم، ثم قال:
فنحن كماء المزن ما في نصابناكهام ولا فينا يعد بخيل
فأتى بالمدح من جهة الجود، وهو أحد أقسام العدل، كما بينا، ثم قال:
صفونا فلم نكدر وأخلص سرناإناث أطابت حملنا وفحول
فأتى بالمدح من جهة العفة، إذ كان في ذكره طيب الحمل دليل على ذلك؛ أفلا ترى أن هذا الشاعر، لما علم أن المعيرة لم تأت بما يضرهم، احتج في ذلك بما يزيل الظنة عنهم، ثم عمد إلى الفضائل، التي هي فضائل بالحقيقة، فأوجبها لهم، فكأنه أرى بهذا الفعل أن ما قالته المعيرة غير جار على الصواب.
وأنشدنا أحمد بن يحيى في هذا المعنى:
وإني لا أخزى إذا قيل مملقسخي وأخزى أن يقال بخيل
وبلغني أن ابن الزبير لما دخل الشام ناداه أهلها: يا ابن ذات النطاقين، فقال لابن أبي عتيق:
وتلك شكاة ظاهر عنك عاراها
فأبان بهذا القول أنه لا يلزمه ما يقال في أمه.
وإذا تؤمل ما ذكرته في هذا الباب، لم يبعد الوقوف على عيب الهجاء كيف يتعرف.
عيوب المراثي:
وأما المراثي: ففي ما قدمته في باب نعوتها ما أبان عن الوجه في باب عيوبها، إذا كان النظر صحيحاً والفكر سليماً.
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع