من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)
ذكر المديح
لما كنا قدمنا من حال المديح الجاري على الصواب ما أنبأنا أنه الذي يقصد فيه المدح للشيء بفضائله الخاصية، لا بما هو عرضي فيه، وجعلنا مديح الرجال مثالاً في ذلك، وذكرنا أن من قصد لمدحهم بالفضائل النفسية الخاصية كان مصيباً، وجب أن يكون ما يأتي به من المدح على خلاف الجهة التي ذكرناها في النعوت معيباً.
ومن الأمثلة الجياد في هذا الموضع ما قاله عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس الرقيات، حيث عتب عليه في مدحه إياه: إنك قلت في مصعب بن الزبير:
إنما مصعب شهاب من اللهتجلت عن وجهه الظلماء
وقلت في:
يأتلق التاج فوق مفرقهعلى جبين كأنه الذهب
فوجه عتب عبد الملك: إنما هو من أجل أن هذا المادح عدل به عن الفضائل النفسية، التي هي العقل والعفة والعدل والشجاعة، وما جانس ذلك، ودخل في جملته إلى ما يليق بأوصاف الجسم في البهاء والزينة، وقد كنا قدمنا أن ذلك غلط وعيب.
ومنه قول أيمن بن خزيم، في بشر بن مروان:
يا ابن الذوائب والذرى والأرؤسوالفرع من مضر العفرنا الأقعس
وابن الأكارم من قريش كلهاوابن الخلائف وابن كل قلمس
من فرع آدم كابراً عن كابرحتى انتهيت إلى أبيك العنبس
مروان إن قناته خطيةغرست أرومتها أعز المغرس
وبنيت عند مقام ربك قبةخضراء كلل تاجها بالفسفس
فسماؤها ذهب وأسفل أرشهاورق تلألأ في البهيم الحندس
فما في هذه الأبيات يتعلق بالمدح الحقي، وذلك أن كثيراً من الناس لا يكونون كآبائهم في الفضل، ولم يذكر هذا الشاعر شيئاً غير الآباء، ولم يصف الممدوح بفضيلة في نفسه أصلاً، وذكر بعد ذلك بناءه قبة، ثم وصف القبة بأنها من الذهب والفضة، وهذا أيضاً ليس من المدح، لأن في المال والثروة مع الضعة والفهة ما يمكن معه بناء القباب الحسنة واتخاذ كل آلة فائقة، ولكن ليس ذلك مدحاً يعتد به، ولا نعتاً جارياً على حقه.
ومما نذكره في هذا الموضع، ليصح به شدة قبح هذا المدح، قول أشجع بن عمرو بما يخالف اليسار:
يريد الملوك مدى جعفرولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم في الغنىولكن معروفه أوسع
فقد أحسن هذا الشاعر، حيث لم يجعل الغنى واليسار فضيلة، بل جعلها غيرهما، وقال أيضاً أيمن بن خريم في بشر:
فلو أعطاك بشر ألف ألفٍرأى حقاً عليه أن يزيدا
وأعقب مدحتي سرجاً خلنجاوأبيض جوزجانياً عقودا
فإنا قد وجدنا أم بشركأم الأسد مذكاراً ولودا
فجميع هذا المدح على غير الصواب، وذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهي في الجود أولاً، ثم أفسده في البيت الثاني بذكر السرج وغيره، ثم ذكر في البيت الثالث ما هو إلى أن يكون ذماً أقرب، وذلك أنه جعل أمه ولوداً، والناس مجمعون على أن نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر، ومنه قول الشاعر:
يغاث الطير أكثرها فراخاًوأم الصقر مقلات نزور
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع