من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)
عيوب اللفظ
أن يكون ملحوناً وجارياً على غير سبيل الإعراب واللغة، وقد تقدم من استقصى هذا الفن، وهم واضعو صناعة النحو، وأن يركب الشاعر منه ما ليس بمستعمل إلا في الفرط، ولا يتكلم به إلا شاذاً، وذلك هو الوحشي الذي مدح عمر بن الخطاب زهيراً بمجانبته له وتنكبه إياه، فقال: كان لا يتبع حوشي الكلام.
وهذا الباب مجوز للقدماء، ليس من أجل أنه حسن، لكن لأن شعرائهم من كان أعرابياً قد غلبت عليه العجرفية، وللحاجة أيضاً إلى الاستشهاد بأشعارهم في الغريب، ولأن من كان يأتي منهم بالوحشي لم يكن يأتي به على جهة التطلب له، والتكلف لما يستعمله منه، لكن لعادته وعلى سجية لفظه.
فأما أصحاب التكلف لذلك، فهم يأتون منه بما ينافر الطبع وينبو عنه السمع، مثل شعر أبي حزام غالب بن الحارث العكلي وكان في زمن المهدي، وله في أبي عبيد الله كاتب المهدي قصيدة أولها:
تذكرت سلمى وإهلاسهافلم أنس والشوق ذو مطرؤه
وفيها يقول:
لأوحى وزير إمام الهدىلنا وهو بالإرب ذو محجوه
يسوس الأمور فتأتي لهوما في عزيمته منهوه
وفي بالأمانة صفو التقىوما الصفو بالرنق المحموه
وعند معاوية المصطفىجباً غير مأج ولا مطرؤه
فقال الوزير الأمين: انظمواقريضاً عويصاً على لؤلؤه
فعبرت مرتفقاً وحيهبغير انصيار إلى المتكؤه
سيدني من الحق ذو فطنةمعي في العواقب والمبدؤه
بيوتاً علي لها وجهةبغير السناد ولا المكفؤه
ومثل شعر أحمد بن جحدر الخراساني في مالك بن طوق؛ ويقال: إنها لمحمد بن عبد الرحمن الغريبي الكوفي، في عيسى الأشعري:
هيا منزل الحي جنب الغضاسلامك عن النوى تصرم
ويا طللاً آية ما ارتمتبليلاك غربتها المرجم
حلفت بما أرقلت نحوههمرجلة خلقها شيظم
وما شبرقت من تنوفيةبها من وحي الجن زيزيزم
فبلغني أنه أنشد هذه القصيدة ابن الأعرابي، فلما بلغ إلى ههنا، قال له ابن الأعرابي: عن كنت جاداً فحسيبك الله.
ومنها:
لأم لكم نجلت مالكاًمن الشمس لو نجلت أكرم
ومن أين مثلك؟ لا أين هوإذا الريق أقفر منه الفم
ومن الأعراب أيضاً من شعره فظيع التوحش، مثل ما أنشدناه أحمد ابن يحيى عن ابن الأعرابي لمحمد بن علقة التيمي، يقولها لرجل من كلب يقال له ابن الفنشخ، ورد عليه فلم يسقه:
أفرخ أخا كلب وأفرخ أفرخ
أخطأت وجه الحق في التطخطخ
أما ورب الراقصات الزمخ
يخرجن من بين الجبال الشمخ
يزرن بيت الله عند المصرخ
لتمطخن برشاء ممطخ
ماء سوى مائي يا ابن الفنشخ
أو لتجيئن بوشي بخ بخ
من كيس ذي كيس مئن منفخ
قد ضمه حولين لم يسنخ
ضم الصماليخ صماخ الأصلخ
ومن عيوب اللفظ: المعاظلة.
المعالظة:
وهي التي وصف عمر بن الخطاب زهيراً بمجانبته لها أيضاً، فقال: وكان لا يعاظل بين الكلام.
وسألت أحمد بن يحيى عن المعاظلة، فقال: مداخلة الشيء في الشيء، يقال: تعاظل الجراداتان، وعاظل الرجل المرأة: إذا ركب أحدهما الآخر.
وإذا كان الأمر كذلك، فمحال أن ينكر مداخلة بعض الكلام في ما يشبهه من بعض، أو في ما كان من جنسه، وبقي النكير إنما هو في ان يدخل بعضه في ما ليس من جنسه وما هو غير لائق به، وما أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة، مثل قول أوس بن حجر:
وذات هدم عار نواشرهاتصمت بالماء تولباً جدعاً
فسمى الصبي: تولباً، وهو ولد الحمار.
ومثل قول الآخر:
وما رقد الولدان حتى رأيتهعلى البكر يمريه بساق وحافر
فسمى رجل الإنسان: حافراً.
فإن ما جرى هذا المجرى من الاستعارة قبيح لا عذر فيه.
وقد استعمل كثير من الشعراء الفحول المجيدين أشياء من الاستعارة ليس فيها شناعة كهذه، وفيها لهم معاذير، إذ كان مخرجها مخرج التشبيه، فمن ذلك قول امرئ القيس يصف الليل:
فقلت له لما تمطى بصلبهوأردف أعجازاً وناء بكلكل
فكأنه أراد: أن هذا الليل في تطاوله كالذي يتمطى بصلبه، لا أن له صلباً، وهذا مخرج لفظه إذا تؤمل، ومنه قول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطلهوعرى أفراس الصبا ورواحله
فكأن مخرج كلام زهير إنما هو مخرج كلام من أراد: أنه لما كانت الأفراس للحرب، وإنما تعرى عند تركها ووضعها، فكذلك تعرى أفراس الصبا، إن كانت له أفراس، عند تركه والعزوف عنه. وكذلك قول أوس بن حجر:
وإني امرؤ أعددت للحرب بعدمارأيت لها ناباً من الشر أعصلا
فإنه إنما أراد: أن هذه الحرب قديمة قد اشتد أمرها، كما يكون ناب البعير أعصل، إذا طال عمره واشتد.
وكذلك قول عنترة العبسي:
جادت عليه كل بكر حرةفتركن كل قرارة كالدرهم
وقل طفيل الغنوي:
وحملت كورى فوق ناجيةيقتات شحم سنامها الرحل
وقول عمر بن كلثوم:
ألا ابلغ النعمان عني رسالةفمجدك حولي ولؤمك قارح
وقول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارهاألفيت كل تميمة لا تنفع
وقول أوس بن مغراء يهجو بني عامر:
يشيب على لوم الفعال كبيرهاويغذي بثدي اللؤم منها وليدها
وقال المخبل:
يعالج عزاً قد عسا عظم رأسهقراسية كالفحل يصرف يازله
فما جرى هذا المجرى مما له مجاز، كان أخف وأسهل مما فحش ولم يعرف له مجاز، وكان منافراً للعادة، بعيداً عما يستعمل الناس مثله.
الكلام في عيوب الوزن:
ولنتبع الكلام في عيوب اللفظ بالكلام في عيوب الوزن، فنقول:
الخروج عن العروض:
من عيوبه: لخروج عن العروض، وقد تقدم من استقصى هذه الصناعة. إلا أن من عيوبه التخليع.
التخليع:
وهو أن يكون قبيح الوزن قد أفرط قائله في تزحيفه، وجعل ذلك بنية للشعر كله، حتى ميله إلى الانكسار، وأخرجه عن باب الشعر الذي يعرف السامع له صحة وزنه في أول وهلة، إلى ما ينكره حتى ينعم ذوقه، أو يعرضه على العروض فيصح فيه، فإن ما جرى من الشعر هذا المجرى ناقص الطلاوة، قليل الحلاوة، ذلك مثل قول الأسود بن يعفر:
إنا ذممنا على ما خيلتسعد بن زيد وعمراً من تميم
وضبة المشترى العار بناوذاك عم بنا غير رحيم
لا ينتهون الدهر عن مولى لناقورك بالسهم حافات الأديم
ونحن قوم لنا رماحوثروة من موال وصميم
لا نشتكي الوصم في الحرب ولانئن منها كتأنان السليم
ومثل قول عروة بن الورد:
يا هند بنت أبي ذراعأخلفتني ظني ووترتني عشقي
ونكحت راعي ثلة يثمرهاوالدهر فائته بما يبقى
ومثل قصيدة عبيد بن الأبرص، وفيها أبيات قد خرجت عن العروض البتة، وقبح ذلك جودة الشعر، حتى أصاره إلى حد الردئ منه، فمن ذلك قوله:
والمرء ما عاش في تكذيبطول الحياة له تعذيب
فهذا معنى جيد ولفظ حسن، إلا أن وزنة قد شانه وقبح حسنه، وأفسد جيده.
فما
جرى من التزحيف هذا المجرى في القصيدة، أو الأبيات كلها أو أكثرها، كان قبيحاً من أجل إفراطه في التخليع واحدة، ثم من أجل دوامه وكثرته ثانية، وإنما يستحب من التزحيف ما كان غير مفرط، أو كان في بيت أو بيتين من القصيدة من غير توال ولا اتساق، ولا إفراط يخرجه عن الوزن، مثل ما قال متمم بن نويرة:
وفقد بني أم تداعوا فلم أكنخلافهم لأستكين وأضرعا
فأما الإفراط والدوام فقبيح.
الزحاف:
وقال إسحاق يحكي عن يونس أنه قال: أهون عيوب الشعر: الزحاف، وهو ا، ينقص الجزء عن سائر الأجزاء، فمنه ما نقصانه أخفى، ومنه ما هو أشنع، وهو في ذلك جائز في العروض، قال خالد ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي:
لعلك إما أم عمرو تبدلتسواك خليلاً شاتمي تستخيرها
وهذا مزاحف في كاف سواك ومن أنشده خليلاً سواك كان أشنع.
قال: وكان الخليل بن أحمد ﵀ يستحسنه في الشعر، إذا قل البيت أو البيتان، فإذا توالى وكثر في القصيدة سمج.
قال إسحاق: فإن قيل: كيف يستحسن منه شيئاً وقد قيل هو عيب؟ قيل: هذا مثل الحول والقبل واللثغ في الجارية، قد يشتهي القليل نمه الخفيف، وهو إن كثر هجن وسمج، والوضح في الخيل يشتهي ويستظرف خفيفه، مثل الغرة والتحجيل، فإذا فشا وكثر، كان هجنة ووهناً.
قال: وخفيف البلق يحتمل في الخيل، ولم أر أبلق قط، ولم أسمع به سابقاً.
ولنبتع الكلام في عيوب الوزن بالكلام في عيوب القوافي.
عيوب القوافي:
ولنتعد ما قد أتى به من استقصى ذلك فيما وضعه من الكتب، إذ كان لاارب في إعادته، ولكنا نتكلم في ذلك بظاهر ما يعرفه جمهور الناس من المعايب التي ليست من جنس ما وضعت فيه الكتب.
ولنذكر مما وضع فيها ما كانت القدماء تعيب به دون غيره، فن ذلك التجميع.
التجميع:
وهو أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روى متهيئ لأن تكون قافية آخر البيت بحسبه، فتأتي بخلافه،
مثل ما قال عمرو بن شأس:
تذكرت ليلى، لات حين ادكارهاوقد حني الأصلاب، ضلاً بتضلال
ومثل قول الشماخ:
لمن منزل عاف ورسم منازلعفت بعد عهد العاهدين رياضها
ومن عيوبها الإقواء.
الإقواء:
وهو أن يختلف إعراب القوافي، فتكون قافية مرفوعة مثلاً، وأخرى مخفوضة او منصوبة، وهذا في شعر الأعراب كثير جداً، وفي من دون الفحول من الشعراء أكثر، ولا يجوز لمولد، لأنهم قد عرفوا عيبه، والبدوي لا يأبه له فهو أعذر.
قال إسحاق: قلت ليونس: أكان عبيد الله بن الحر يقوى، فقال: الإفواء خير منه. يعني من فوقه من الشعراء يقوى.
وقد ركب بعض فحول الشعراء الإقواء في مواضع، مثل ما قال سحيم بن وثيل الرياحي:
عذرت البزل إن هي خاطرتنيفما بالي وبال ابني لبون
وماذا يدري الشعراء منيوقد جاوزت حد الأربعين
فنون الأربعين مفتوحة، ونون اللبون مكسورة، ولكنه كأنه وقف القوافي فلم يحركها، وقال جرير:
عرين من عرينة ليس منابرئت إلى عرينة من عرين
عرفنا جعفراً وبني عبيدوأنكرنا زعانف آخرينا
الإيطاء:
ومنه: الإيطاء، وهو ان يتفق القافيتان في قصيدة واحدة، فإن زادت على اثنين فهو أسمج، فإن اتفق اللفظ واختلف المعنى كان جائزاً، كقولك: أريد خياراً، وأوثر خياراً أي تريد خياراً من الله لك في كذا وخيار الشيء: أجوده، والإيطاء من المواطأة، أي الموافقة، قال الله ﵎: ليواطئوا عدة ما حرم الله أي ليوافقوا. ومنه السناد.
السناد:
وهو أن يختلف تصريف القافية، كما قال عدي ابن زيد:
ففاجأها وقد جمعت جموعاًعلى أبواب حصن مصلتينا
فقدمت الأديم لراهشيهوألفى قولها كذباً ومينا
وكقول الفضل بن العباس اللهبي:
عبد شمس أبي فإن كنت غضبىفاملئي وجهك المليح خموشا
نحن كنا سكانها من قريشوبنا سميت قريش قريشا
والسناد من قولهم: خرج بنو فلان برأسين متساندين، أي هذا على حياله وهذا على حياله، وهو مثل ما قالوا: كانت قريش يوم الفجار متساندين، أي لا يقودهم رجل واحد.
ولنتبع ذلك بالكلام على عيوب المعاني.
عيوب المعاني:
قد كنا قدمنا في باب النعوت، أن جملتها أن يكون المعنى مواجهاً للغرض، غير عادل عنه إلى جهة أخرى، وبينا من الأغراض التي تنتحيها الشعراء في ذلك الموضع ما إذا حفظ عرف العيب بالعدول عنه، وبدأنا في باب النعت بأمور جعلناها مثالات، فلا بأس في أضدادها بمثالات أيضاً.
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع