تجاوز إلى المحتوى

من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)

الاستحالة والتناقض

الاستحالة والتناقض

وهما أن يذكر في الشعر شيء، فيجمع بينه وبين المقابل له من جهة واحدة، والأشياء تتقابل على أربع جهات:

إما على طريق المضاف، ومعنى المضاف هو الشيء الذي إنما يقال بالقياس إلى غيره، مثل الضعف إلى نصفه، والمولى إلى عبده، والأب إلى ابنه، فكل واحد من الأب والابن والمولى والعبد والضعف والنصف يقال بالإضافة إلى الآخر، وهذه الأشياء من جهة ما أن كل واحد منها يقال بالقياس إلى غيره، هي من المضاف، ومن جهة أن كل واحد منها بإزاء صاحبه كالمقابل له، فهي من المتقابلات.

وإما على طريق التضاد، مثل: الشرير للخير، والحار للبارد، والأبيض للأسود.

وإما على طريق العدم والقنية، مثل الأعمى والبصير، والأصلع وذي الجمة. وإما على طريق النفي والإثبات، مثل أن يقال: زيد جالس، زيد ليس بجالس.

فإذا أتى في الشعر جمع بين متقابلين من هذه المتقابلات، وكان هذا الجمع من جهة واحدة، فهو عيب فاحش غير مخصوص بالمعاني الشعرية، بل هو لاحق بجميع المعاني، وأعني بقولي: من جهة واحدة: ا، هـ قد يجوز أن يجتمع في كلام منثور أو منظوم متقابلان من هذه المتقابلات، ويكون ذلك الاجتماع من جهتين لا من جهة واحدة، فيكون الكلام مستقيماً غير محال ولا متناقض، مثال ذلك أن يقال في تقابل المضاف: إن العشرة مثلاً ضعف وإنها نصف، لكن يقال: إنها ضعف لخمسة ونصف لعشرين، فلا يكون ذلك محالاً إذا قيل من جهتين، فأما من جهة واحدة كما إذا قيل: إنها ضعف ونصف لخمسة فلا.

وكذلك يجوز أن يجتمع المتقابلات على طريق العدم والقنية من جهتين، مثال ذلك أن يقال: زيد أعمى بصير القلبن فيكون ذلك صحيحاً، فأما من جهة واحدة، كما لو قيل في إنسان: واحد إنه أعمى العين بصيرها، فلا.

وكذلك في التضاد أن يقال في الفاتر: حار عند البارد، وبارد عند الحار، فأما عند أحدهما فلا.

وفي النفي والإثبات أن يقال: زيد جالس، في وقته الحاضر الذي هو فيه جالس، وغير جالس في الوقت الآتي الذي يقوم فيه إذا قام، فذلك جائز، فأما في وقت واحد وحال واحدة جالس وغير جالس فلا.

ولهذه العلة يجوز ما يأتي في الشعر على هذه السبيل، مثل ما قال خفاف بن ندبة:

إذا انتكثَ الحبلُ ألفيتَهصبورَ الجنانِ رزيناً خفيفَاً
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «إذا انتكث الحبل ألفيته»

فلو لم تكن إرادته أنه رزين من حيث ليس خفيفاً، وخفيف من حيث ليس رزيناً، لم يجز، ومثل ما قال الشنفرى:

فدقتْ وجلتْ واسبكرتْ وأكملتْفلو جنَّ إنسانٌ من الحسنِ جنتِ
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «ألا أم عمرو أجمعت فاستقلت»

فإنه إنما أراد دقت من جهة وجلت من أخرى، فأما لو كان أراد أنها دقت من حيث جلت، لم يكن جائزاً.

وقد جاء في الشعر من الاستحالة والتناقض ما لا عذر فيه، وما جمع فيما قيل فيه بين المتقابلات من جهة واحدة، ومنه ما التناقض فيه ظاهر، يعلم في أول ما يلقى السمع، ومنه ما يحتاج إلى تنبيه على موضع التناقض فيه.

ومما جاء في ذلك على جهة التضاد، قول أبي نواس يصف الخمر:

كأنَّ بقايا ما عفَا من حبابِهاتفاريقُ شيبٍ في سوادِ عذارِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ديار نوار ما ديار نوار»

فشبه حباب الكأس بالشيب، وذلك قول جائز، لأن الحباب يشبه الشيب في البياض وحده، لا في شيء آخر غيره، ثم قال:

تردتْ به ثم انفرَى عن أدِيمهاتفرىَ ليلٍ عن بياض نهارٍ

فالحباب الذي جعله في هذا البيت الثاني كالليل، هو الذي كان في البيت الأول أبيض كالشيب، والخمر التي كانت في البيت الأول كسواد العذار هي التي صارت في البيت الثاني كبياض النهار، وليس في هذا التناقض منصرف إلى جهة من جهات العذر، لأن الأبيض والأسود طرفان متضادان، وكل واحد منهما في غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شيء واحد منهما في غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شيء واحد يوصف بأنه أبيض وأسود، إلا كما يوصف الأدكن في الألوان بالقياس إلى واحد من الطرفين اللذين هو واسطة بينهما، فيقال: إنه عند الأبيض أسود، وعند الأسود أبيض، وليس فيما قاله أبو نواس حال توجب انصراف ما قاله إلى هذه الجهة. ولعل قوماً أن يحتجوا لأبي نواس بأن يقولوا: إن قوله:

تفرى ليل عن بياض نهار

لم يرد به أسود ولا أبيض، لكن الذي أراده إنما هو ذات التفري وانحسار الشيء عن الشيء، أسود كان أو أبيض أو غير ذلك من الألوان.

فنقول: من يحتج بهذه الحجة تبطل من جهات: إحداها: أن الرجل قد صرح بأنه لم يرد غير اللون فقط، بقوله: عن بياض نهار، والثانية: تشبيهه الحباب بالشيب، لأن الحباب لا يشبه الشيب من جهة من الجهات غير البياض، والثالثة: أن النهار والليل ليس هما غير الضياء والظلمة، فيظن بالجاعل

لهما في وصف من الأوصاف أنه أراد شيئاً آخر، فإن القائل مثلاً في شيء إنه قد تبرأ من شيء كما تتبرأ الشعرة من العجين، قد يجوز أن يصرف قوله هذا على وجهين: أحدهما: أن يظن أنه أراد ذات تبرؤ شيء، ويجوز أن يظن أنه إنما أراد تبرؤ الأسود من الأبيض، لأن في الشعرة والعجين جسماً يجوز أن يتبرأ من جسم، وسواداً وبياضاً، فأما الليل والنهار فليس هما غير سواد وبياض فقط، فأما جسم يتبرأ من جسم فلا. التناقض على طريف المضاف: ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق المضاف، قول عبد الرحمن ابن عبد الله القس:

فإنِّي إذا ما الموتُ حلَّ بنفسِهايزالُ بنفسِي قبلَ ذاكَ فأقبرُ

فقد جمع بين قبل وبعد، وهما من المضاف، لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد إلا لقبل، حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها، وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون له جواب يأتي به، وجوابه هو قوله: يزال بنفسه قبل ذاك، وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا انكسر الكوز انكسرت الجرة قبله، ومنزلة هذا التناقض عندي فوقه منزلة جمع المتقابلين في الشناعة، لأن هذا الشاعر جعل ما هو قبل بعداً.

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من عيوب الشعر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.